بداية مرتبكة للقاء سوتشي لكن اجهاض محاولة “التخريب” الامريكية لم يستغرق اكثر من ساعتين.. كيف تبلورت قيادة جديدة للمعارضة ومن هم “نجومها”؟ وهل كانت ازمة العلم والشعار مفتعلة؟ وهل تنفذ تركيا تعهداتها بإنهاء مقاطعة حلفائها السوريين؟

عبد الباري عطوان

لم تكن بداية طيبة لمؤتمر سوتشي للحوار بين ممثلي الشعب السوري الذي بدأ اعماله امس بعد تأخر ما يقرب من الساعتين ونصف الساعة، نظرا لاحتجاج وفد المعارضة المسلحة القريبة من تركيا على العلم السوري بنجمتين خضراويين تتوسطان اللونين الأحمر والأسود، ولكن انعقاده في حضور 1600 عضو، الى جانب ممثلي الحكومة السورية، والدول الثلاث الراعية (روسيا وايران وتركيا) يمثل خطوة ناجحة على طريق منظومة بديلة لمفاوضات جنيف التي اصطدمت بحائط الفشل بعد ثماني جولات عقيمة، مثلما جاء في البيان الختامي.

تشكيل لجان رئاسية ودستورية تنبثق عن المؤتمر وتضم ممثلين عن السلطة والمعارضة، مثلما جاء في البيان الختامي، لادخال تعديلات دستورية، وتشكيل جيش، ومؤسسات امنية تخضع لسيادة القانون، امر مهم دون ادنى شك، لكن الأهم في نظرنا هو جمع هذا العدد الضخم من السوريين من الداخل والخارج، من السلطة والمعارضة، تحت سقف واحد لأول مرة منذ سبع سنوات.

الإنجاز الابرز للمؤتمر، في تقديرنا حتى الآن، هو كسر الحاجز النفسي المتمثل في جلوس السوريين الى جانب بعضهم البعض يتصافحون، ويتبادلون الآراء حول حاضر بلادهم ومستقبلها، صحيح ان أجواء الحذر كانت هي المسيطرة على اليوم الأول، مثلما قال احد المشاركين لهذه الصحيفة “راي اليوم”، ولكن هذا الحذر متوقع في ظل حالة الجفاء، وعمق الهوة في المواقف تجاه الصراع، واسبابه، والتدخلات الخارجية المتعددة، مضافا الى ذلك وجود “العسس″، كتيبة التقارير، الذين كانوا يتواجدون في الاروقة والقاعات ويرصدون كل صغيرة وكبيرة.

***

الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها الذين يعانون من التهميش المتسارع على أرضية الازمة السورية، بفعل النجاح العسكري لروسيا وحلفائها في ميادين القتال، لم يريدون انعقاد هذا المؤتمر في سوتشي، ناهيك عن نجاحه، ولذلك حاولوا اجهاضه، وخلق حالة من الارتباك في صفوف المشاركين والرعاة، ويتضح ذلك من خلال ازمتين، الأولى رفض ستيفان دي ميستورا، ممثل الأمم المتحدة المشاركة والقاء الكلمة الثانية بعد خطاب سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، الافتتاحية، والايعاز لممثلي المعارضة الموالية لتركيا بالانسحاب وعدم المشاركة، على غرار الهيئة العليا للمفاوضات المدعومة سعوديا.

بات واضحا الآن ان احتكار الهيئة العليا للمفاوضات لتمثيل المعارضة حصريا قد “تضعضع″، ان لم يكن قد تآكل، وبروز جسم سوري أوسع من الداخل والخارج، وكان لافتا دعوة شخصيات مثل هيثم مناع وقدري جميل، واحمد الجربا، وميس كريدي، ورندا قسيس، للجلوس على المنصة الرئيسية اثناء جلسة الافتتاح، مما يوحي ان هذه المجموعة، قد تكون نواة المجلس الرئاسي لمنظومة سوتشي، والممثل الجديد المعتمد للمعارضة السورية التي من المفترض ان تتفاوض مع الحكومة في دمشق، وتحظى بدعم الدول الثلاث الراعية، وهي ايران، وتركيا وروسيا، واحتمال اضافة أسماء جديدة غير مستبعد في الجولات المقبلة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو حول الخطوة التالية لهذا المؤتمر، بمعنى هل سيتحول الى منظومة دائمة تنعقد بشكل دوري ولها قيادة واطارات عمل، ام سيكون دوره انعقاد يتيمة تصدر توصيات الى منظومة جنيف المنبثقة عن الأمم المتحدة وينتهي دورها بعد ذلك؟

لا نعتقد ان روسيا، ورغم الصعوبات، تريد انعقاد جلسة “يتيمة”، وانما منظومة مفاوضات متكاملة وفق خارطة طريق سياسية واضحة المعالم تؤدي الى دستور، وانتخابات رئاسية وبرلمانية تحدد هوية “سورية الجديدة”.

القيادة الروسية تدرك جيدا ان انتصارها العسكري لا يمكن ان يكتمل دون تسوية سياسية تشارك في صياغة عناصرها الرئيسية مختلف أطياف اللون السوري الديني والمذهبي والعرقي والمؤسساتي.

***

أمريكا نجحت في سحب ممثليها الاكراد والمعارضة “العربية” المسلحة في محاولة لتخريب خريطة الطموحات الروسية، وفي اللحظة الأخيرة، ولكن وجود تركيا تحت مظلة سوتشي، وحاجتها للحليف الروسي في ظل اتساع هوة الخلاف بينها والولايات المتحدة بسب الدعم السياسي والعسكري لقيام كيان كردي في شمال سورية، ربما يدفعها لاقناع الفصائل الموالية لها بالمشاركة، ان لم يكن في هذه الجولة، ففي الثانية القادمة.

الخلاف حول العلم السوري والوانه ليس جوهريا، وانما ذريعة للانسحاب في اللحظة الاخيرة، لان الدعوات التي جرى ارسالها للشخصيات والوفود المشاركة كانت تحمل هذا الشعار، ولم يعترض احد، او كان في وسع معظم المعترضين ان لا يستقل الطائرة الى مطار سوتشي، ولكنها التعليمات، والقوى المنخرطة في الصراع على سورية حاضرا ومستقبلا.

لم يكن المشهد السوري ورديا منذ بداية الازمة، وكان حافلا بالمفاجآت والمتغيرات والخلافات، ولا نعتقد ان مؤتمر سوتشي سيكون استثناء، فالطريق الى الاستقرار والحل السياسي والمصالحة الوطنية، وإعادة الاعمار ما زال وعرا ومليئا بالمصاعب.