اكراد عفرين يستنجدون بالاسد والجيش السوري.. لماذا نعتقد انه قد لا يلبي النداء فورا؟ ما هي خطة اردوغان بعد عفرين ولمن ستؤول السيادة عليها؟ ولماذا يريد التخلص من ملايين اللاجئين السوريين الآن؟ وما حقيقة اتصالاته مع دمشق؟

عبد الباري عطوان

بعد عدم تجاوب الولايات المتحدة لنداءات الاستغاثة المتكررة التي أطلقها قادة وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين، اتجهت الإدارة الذاتية في المقاطعة الى الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته طلبا للنجدة، وضرورة التدخل للقيام بواجباتهما السيادية تجاه المدينة وحماية حدودها، ومواطنيها “السوريين” في مواجهة هجمات التركي المحتل، حسب ما جاء في بيان رسمي.

البيان نفسه اكد “ان مقاطعة عفرين هي جزء لا يتجزأ من سورية، والآن تتعرض هذه المقاطعة الى عدوان غاشم، الامر الذي يهدد وحدة أراضي سورية، وارواح المدنيين الذين يقيمون في عفرين.

هذه اللغة الجديدة، وغير المألوفة، على اذن الرئيس الأسد وأركان حكومته، لم تجد أي تجاوب فعلي سريع من دمشق، حتى كتابة هذه السطور على الأقل، الامر الذي أضاف بعض المصداقية الى النظرية التي تقول ان الرئيس رجب طيب اردوغان لم يُقدم على اقتحام مدينة عفرين الا بعد اخذ الضوء الأخضر من روسيا، و”عدم ممانعة” كل من ايران والحكومة السورية.

حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يسيطر على مدينتي عفرين ومنبج وريفهما من خلال وحدات حماية الشعب، ذراعه العسكري، تصرف طوال السنوات الست الماضية باستقلالية عن دمشق، ولم يعترف مطلقا بالسيادة السورية على المدينتين ومناطق أخرى في شمال سورية، والأكثر من ذلك انه رفض اقتراحا روسيا بدخول قوات الجيش السوري الى المدينتين لمنع أي هجوم تركي، وفضل الرهان على الحليف الأمريكي.

***

القادمون من شمال غرب سورية يشتكون مر الشكوى من الاشقاء الاكراد في عفرين، ويؤكدون انهم لا يسمحون للسوريين العرب بالدخول الى المنطقة الا بتصريح مسبق وتأمين الكفيل، ومقابل رسوم مرتفعة، واحد أبناء المنطقة أكد ان المجلس التنفيذي لمقاطعة عفرين يملك من الاحتياطات المالية بالعملات الصعبة أكثر مما هو موجود في الخزينة السورية، بفضل ثروات المقاطعة والرسوم التي يفرضها على الشاحنات وغيرها.

الحكومة السورية عاملت الاكراد المقيمين على ارضها معاملة لم يحظ بها نظراؤهم في الأقطار الأخرى المجاورة، ففي غضون أسابيع معدودة جنست أكثر من 300 الف منهم قبل الازمة واثنائها، لجأوا الى الأراضي السورية هربا من تركيا، وبحثا عن حياة كريمة بعيدا عن الضغوط والمخاطر العرقية والطائفية، ومع ذلك جاءت المكافأة طعنة في الظهر، والانخراط في مشاريع التقسيم الامريكية، حسب وجهة نظر الكثير من المسؤولين في الحكومة السورية.

لا نعرف ما هي تفاصيل الخطة المتفق عليها بين سورية وتركيا وايران، برعاية روسية تجاه مقاطعة عفرين، ولمن ستكون السيادة على المنطقة الآمنة التي تريد تركيا اقامتها بعمق 30 كيلومترا في عفرين، وبما يحمي الحدود التركية.

الرئيس رجب طيب اردوغان الذي شاهدناه بالملابس العسكرية لأول مرة منذ 14 عاما، يتفقد قواته على جانب الحدود، قال انه يريد سحق الإرهاب، وإعادة توطين 3.5 مليون لاجئ سوري في المنطقة الآمنة، وسيسلم ادارتها للجيش السوري الحر، وليس للجيش العربي السوري، مثلنا كان متوقعا بالنظر الى الاتفاق السري والتكهنات حوله.

الجيش السوري الحر ليس دولة، كما انه يتكون من عشرات الفصائل والوحدات المسلحة المعارضة للنظام، وبات يتلقى أوامره وتعليماته من انقرة، فهل هذه الخطوة قانونية، وهل يستطيع هذا الجيش وحده الصمود في وجه الجيش السوري في حال تقدمه لاستعادة المقاطعة، وحماية هذا الكيان المقتطع من الأرض السورية؟

سؤال افتراضي آخر لا بد من طرحه، وهو حول ما اذا كان الرئيس اردوغان يريد إقامة كيان بأكثرية من المهاجرين السوريين “العرب” غالبا وبحماية من الجيش الحر مثلا وبرعاية الجيش التركي؟ وبما يجعل الاكراد اقلية الأقلية، وكيف سيكون الرد الروسي والرد السوري في هذه الحالة؟

صحافية تركية معروفة طلبت عدم ذكر اسمها اكدت لنا وجود اتصالات سرية تركية سورية نشطة هذه الأيام لتنسيق المواقف تجاه منطقتي عفرين وادلب، وقالت في اتصال معها وبالحرف الواحد، “ان الرئيس اردوغان سيسلم عفرين بالكامل بعد السيطرة عليها الى القوات الروسية التي ستقوم بدورها بتسليمها الى الحكومة السورية، مما يعني دخول الجيش السوري اليها، وهذا ما يفسر “فتور” الرد السوري الرسمي على نداءات الاستغاثة من قبل المجلس التنفيذي الرئاسي الحاكم في مقاطعة عفرين.

ما اغضب الرئيس اردوغان، حسب الكاتبة والصحافية نفسها، وقوع نسبة كبيرة من الأسلحة الحديثة الامريكية التي أرسلت الى جيش سورية الديمقراطية في ايدي حزب العمال الكردستاني ومخازنه الحصينة في الجبال، وهذا ما يفسر تصريحات الرئيس التركي بأنه سيمضي قدما في تدخله العسكري حتى داخل كردستان العراق، وبما يؤدي الى تطهير “الكوريدور” على طول الحدود السورية التركية من “الإرهاب”.

مرة أخرى نؤكد ان مشكلة الاشقاء الاكراد تنحصر في ثقتهم بأمريكا وإسرائيل، اللتين تستخدمهما كورقة لتصفية حساباتهم مع الدول الإقليمية مثل تركيا وايران وسورية والعراق، فلو قبل الاكراد في عفرين ومنبج دخول قوات الجيش السوري الى مناطقهم، وليس القوات الامريكية (في منبج) ربما لما تعرضوا لما يتعرضون اليه حاليا من هجوم تركي، ويواجهونه وحدهم دون أي دعم من احد.

***

الرئيس اردوغان يدرك جيدا ان الانتخابات المبكرة باتت مؤكدة العام المقبل، وان اكبر مشكلة تواجهه وحزبه هي وجود 3.5 مليون لاجئ سوري، وحتى يتخلص من هذه المشكلة التي تثير حساسية معظم الشعب التركي لا بد من إيجاد حلول سريعة لها حتى لا يخسر هذه الانتخابات.

امام الرئيس اردوغان حلان لمشكلة اللاجئين هذه، الأولى التعجيل بسقوط النظام وعودة هؤلاء بصورة طبيعية الى مدنهم وقراهم، او إعادة توطينهم في جيوب آمنة داخل سورية وعفرين احد الأمثلة.

سقوط النظام في دمشق بات عملية مستحيلة في المستقبل المنظور، اما عادة توطين هؤلاء داخل سورية فلا يمكن ان تتم الا بموافقة الحكومة والجيش السوري بطريقة او بأخرى، والا غرق تركيا في مصيدة حرب استنزاف قد تطول.

الصفقة لم تعد عفرين مقابل ادلب، وانما ادلب وعفرين معا الى حضن السلطات السورية مجددا، مقابل إعادة اكراد سورية الى مرحلة ما قبل السنوات السبع الماضية، أي التعايش في ظل النظام القائم، وتخفيض سقف توقعاتهم الانفصالية، تماما مثلما حدث في كردستان العراق، والسيد وليد المعلم، شيخ الدبلوماسية السورية، لم ينطق عن هوى عندما قال ان حكومته لا تمانع في درس فكرة منح الاكراد السوريين الحكم الذاتي.. وبوتين اعلم.