بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده: هذه هي قصتي “الشخصية” مع جمال عبد الناصر والأسباب التي جعلتني اعجب به وتراثه السياسي والإنساني.. ولا اعتذر مطلقا عن هذا الاعجاب

عبد الباري عطوان

اقام المعهد العربي في باريس عام 1995 ندوة بمناسبة مرور ربع قرن على وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكنا ستة اشخاص على المنصة، من بيننا وزيرا خارجية فرنسيين، ووزير داخلية، وجميعهم سابقون، ومن سوء حظي كنت المتحدث الأخير، علاوة على كوني الأصغر سنا ومكانة (ملف الندوة في أرشيف المعهد).

لم يترك المتحدثون الوزراء الذين سبقوني شيئا جديدا اضيفه، فقد تحدثوا عن مميزات الرجل وصفات زعامته، وكاريزميته، وانجازاته، مع نقد طفيف لبعض اخفاقاته، واخطائه، واظهروا احتراما كبيرا اكدوا ان الرجل يستحق، وعندما جاء دوري قلت لهم انني اعددت ورقة مكتوبة، سأضعها جانبا، وسأتحدث لكم من تجربة شخصية، ابدأها بالقول انه لولا الرئيس جمال عبد الناصر لما كنت بينكم على هذه المنصة، وفي هذا الصرح الثقافي المحترم، فبفضله وعروبته وانسانيته وانحيازه للفقراء المعدومين، وانا احدهم (لاجئ ابن مخيم) فُتحت لنا الجامعات مجانا، وحصلنا على الدرجات العلمية التي نقلتنا واسرنا من خانة الفقر والعوز والجهل الى خانة “الستر”، وشق طريقنا بثقة في دروب الحياة.

***

لم احظ بشرف لقاء الرئيس عبد الناصر، فعندما انتقل من دار الفناء الى دار البقاء كنت ادرس الثانوية العامة، ولكنني حظيت برد منه، او من مكتبه، على اول رسالة كتبتها في حياتي، وكنت تلميذا في الصف الثاني ابتدائي، كتبت فيها بضعة كلمات “الرئيس جمال عبد الناصر انا احبك”، ووقعتها بإسمي وعنوان مدرسة اللاجئين التي كنت ادرس فيها في مخيم دير البلح.

اعجابي بالرئيس عبد الناصر وارثه لم ينقص على مدى السنوات، بل ازداد، وما زال، رغم انني لا انكر مطلقا ان الرجل اجتهد وارتكب أخطاء، اعترف بأكبرها عندما اقر بمسؤوليته عن هزيمة حرب حزيران (يونيو) عام 1967 وعرض استقالته على الشعب.

كما انه لم يقل في أي يوم من الأيام انه كان ديمقراطيا ويقود “العالم الحر”، واعتقل معارضيه وزج بهم في السجون، ولكنه حقق إنجازات لم ينكرها اشد خصومه مثل الإصلاح الزراعي الذي كان اكبر ثورة اجتماعية واخلاقية في تاريخ المنطقة، حيث قضى على الاقطاع، وأعطى الأرض لمن يستحقها، ولا ننسى السد العالي والتصنيع الحربي، وتأميم قناة السويس، والاكتفاء الذاتي في الطعام وكل ما يحتاجه المواطن من منتوجات تصنع محليا، وقائمة الإنجازات تطول.

الرئيس عبد الناصر كان يرتدي “بزة” من الصوف المصري، وقمصان وجوارب من القطن المصري، وحذاء من الجلد المصري، مثله مثله مثل جميع المصريين، وكنت أقيم في مصر في تلك الفترة، وكانت الملابس المستوردة محصورة في شارع خلفي طوله 50 مترا (شارع الشواربي) قرب ميدان سليمان باشا اذا لم تخني الذاكرة، وكانت هذه الملابس تباع في بوتيكات صغيرة وبشكل سري كأنها مواد محرمة، وكانت محرمة فعلا.

يتعرض الرئيس عبد الناصر لهجمة شرسة هذه الأيام من خصومه وتجربته السياسية والفكرية، ووصل الامر بالسيد عمرو موسى الى الادعاء بأنه كان يستورد طعاما خاصا من سويسرا، وهو الذي كان يصطحب الجبنة البيضاء والطماطم، وجبته المفضلة الى أي بلد يذهب اليه، وكانت أنواع الطعام، حسب شهادات من عاشروه عن قرب، هي آخر همومه.

شاءت الاقدار ان أكون في مصر يوم اعلان وفاته، وبالتحديد في مدينة الإسكندرية، واقسم بالله انني لم اشهد منظرا في حياتي مثل منظر مئات الآلاف من اهل المدينة يخرجون الى الشوارع، نساء أطفالا رجالا، كهولا، شبابا، يبكون بحرقة عفوية، واستمر هذا المنظر طوال الليل ولعدة ايام، وكورنيش المدينة ومعظم شوارعها كانت خالية من السيارات مزدحمة بالبشر الهائمين على وجوههم، والصدمة هي القاسم المشترك للجميع، واستمر الحال أكثر من أسبوع.

كان هذا أعظم استفتاء على هذا الرجل وحكمه وانجازاته، استفتاء عفوي صادق نابع من قلوب البسطاء المكلومة والمؤمنة، حيث تساوى الفقراء والاغنياء في مشهد تكرر في جميع المدن والبلدات والقرى المصرية.

***

الرئيس عبد الناصر صاحب رؤية ومشروع عماده إعادة الهيبة والكرامة لمصر وشعبها والشعوب العربية بأسرها، أراد ان يضع الامة العربية على الخريطة العالمية، كأُمة صاحبة هوية مستقلة عنوانها محاربة الاستعمار ودعم الشعوب التي تقاومه في اسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية، وفي الوطن العربي طبعا وابرزها الفلسطيني والجزائري والتونسي.

لا اريد ان اتحدث عن مصر الحالية والحال الذي وصلت اليه على ايدي من خلفوه، ولا اريد ان اقارن بين وضع الامة العربية حاليا وفي زمن العظماء عبد الناصر وزملاؤه في اكثر من بلد، في الجزائر وسورية والعراق واليمن وغيرها، فالعنوان واضح، والصورة لا تحتاج الى شروحات.

رحم الله الرئيس عبد الناصر الذي مات ولم يترك الا بضعة مئات من الجنيهات المصرية في حسابه البنكي، ولم يوّرث ابناءه القصور او الهكتارات من الأراضي الخصبة.. ولكنه ورثهم، ونحن معهم، الكرامة وعزة النفس، والوقوف في خندق هذه الامة ومشروعها الوطني في مواجهة الاستعمار، وما اجمل هذه الورثة والارث واغلاها على قلوب الوطنيين الشرفاء أينما كانوا.