كيف نجح اردوغان في تطويق الازمة ومنع المواجهة مع روسيا؟ ولماذا برأ بوتين تركيا من أي دور في الهجوم على قواعد بلاده في حميميم وطرطوس؟ ومن هي الدولة المتهمة ورفض تسميتها؟ وكيف سيكون الانتقام وأين؟

عبد الباري عطوان

اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان روسيا تعرف من نفذ الهجوم بالطائرات المسيرة “درونز″ على القاعدتين الروسيتين في “حميميم” وطرطوس في شمال سورية، مؤكدا ان تركيا لا علاقة لها بالحادث، وقال اثناء حوار اجراه اليوم الخميس مع رؤساء تحرير ابرز الصحف الروسية “نعرف من هم، وكم دفعوا، ولمن، على تنفيذ هذا الاستفزاز″.

صك البراءة التي أصدره الرئيس بوتين لتركيا، وعدم توجيه أي لوم لها، رغم انطلاق هذه الطائرات المسيرة من ارض في ادلب من المفترض ان تسيطر عليها قوات تركية جاء بعد اتصال هاتفي تلقاه من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، مما يوحي بأن الرئيس التركي سارع لتقديم معلومات مؤكدة لنظيره الروسي عن “الحركة” التي نفذت هذه الهجمات والدولة التي زودتها بهذه الطائرات، والولايات المتحدة الامريكية على الأرجح، وتعتبر الوحيدة الى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي التي تنتج هذا النوع من الطائرات وتكنولوجيا تسليحها، والتحكم بها، وأجهزة الرصد المزودة بها.

دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تجرؤ على الدخول في صدام مع روسيا، وتحمل نتائج أي محاولة انتقام ممكن ان تترتب عليه، واقلها تزويد سورية بصواريخ “اس 400″ المتقدمة القادرة على اسقاط أي طائرة إسرائيلية معتدية، ولكن لا شيء مستبعد هذه الأيام.

***

اعتراف الرئيس بوتين، بأن الهدف من هذا الهجوم على القاعدتين الروسيتين هو تقويض الاتفاقات التي جرى التوصل اليها سابقا، في إشارة (الى لقاءات آستانة)، وتدمير علاقات روسيا مع شركائها في ايران وتركيا، يوحي بأن اتصال الرئيس اردوغان نجح في تطويق الازمة بسرعة، وتمثل هذا في قولة “حتى روسيا غير قادرة أحيانا على التحكم بشكل كامل بالمناطق التي تقع تحت سيطرتها”.

النقطة الهامة التي لم يتطرق اليها الرئيس بوتين في لقائه الصحافي تلك المتعلقة بطلب الرئيس اردوغان وقف هجمات الجيش العربي السوري على منطقة ادلب بغطاء جوي روسي، كشرط لنجاح قمة سوتشي وعملية الآستانة، فتركيا تريد وقف هذا الهجوم الذي يهدد احد ابرز مناطق نفوذها والجماعات المسلحة الموالية لها، او القريبة منها، وخاصة “النصرة” و”احرار الشام” و”الزنكي”، وما زال من غير المعروف ما اذا كان الرئيس بوتين قد تجاوب ايجابيا مع هذا الطلب ام لا، ولكن هناك معلومات شبه مؤكدة تفيد بأن هذا الهجوم لن يتوقف الا بعد القضاء على الجماعات المسلحة في هذه المدينة (ادلب)، وخاصة “النصرة”، ومنع تكرار أي هجوم مماثل على القواعد الروسية التي تعتبر خطا احمر.

الخلاف الروسي التركي حول مؤتمر سوتشي سببه معارضة تركيا لمشاركة ممثلين عن قوات حماية الشعب الكردية فيه، وعرضت موسكو حلول وسط ابرزها ان يكون تمثيل الاكراد غير سياسي ولا ينتمي المشاركون الى أي تنظيم معين، مضافا الى ذلك انه سيتكون من مجموعة شخصيات من بين حوالي 1600 مشارك، والاكراد في نظر روسيا احد المكونات السورية الرئيسية التي لا يمكن تجاهلها في أي مشروع حوار او مصالحة.

الرئيس اردوغان الذي يعارض أي مشاركة للأكراد يجد نفسه اما خيارين:

  • الأول: مواجهة دولة كردية شمال سورية مدعومة أمريكيا بالمال والسلاح والحماية الامريكية.

  • الثاني: القبول بالاكراد في اطار الدولة السورية الموحدة، وفي افضل الأحوال، حكم ذاتي يتمتع بسلطات محدودة، حسب ما جاء في تصريح شهير للسيد وليد المعلم، وزير الخارجية السوري عن استعداد حكومته لبحث هذا الاحتمال.

***

الخطر الحقيقي على تركيا لا يأتي من الحليف الروسي وانما من الشريك الأمريكي في حلف الناتو، الذي يريد إقامة قاعدة استراتيجية في شمال سورية تتمركز فيها القوات الامريكية والإسرائيلية، وهذا ما دفع الرئيس اردوغان للتهديد بقصف هذا الكيان ومنع اقامته بالقوة لانه سيكون كيانا إرهابيا معاديا لتركيا.

الرئيس بوتين لم يتوعد الجهة التي أرسلت هذه الطائرات لضرب قواعده في حميميم وطرطوس، علاوة على كونه لم يسمها، ولكن الامر المؤكد انه سينتقم لهذا العدوان، اما كيف سيكون وفي أي منطقة، فهذا ما ستكشف عنه الاسابيع وربما الأشهر المقبلة، ولا نستبعد ان يكون ضخما وموجعا.. وما علينا الا الانتظار.