ايران خرجت بأقل الخسائر من نفق الاحتجاجات.. ودخلته دول أخرى مثل تونس والسودان والبقية تأتي.. لماذا نخشى على مصر والأردن والمغرب؟ وهل منحة الاف ريال “الاستباقية” ستمتص الاحتقان في السعودية؟ ولماذا نتفق مع تشخيص روحاني للازمة الذي لم يعجب الملالي؟

عبد الباري عطوان

توقفت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية التي انفجرت في 70 مدينة وبلدة بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، لتبدأ في العديد من الدول العربية التي تواجه شعوبها المعاناة نفسها، مضافا اليها غياب الحريات وارتفاع وتيرة القمع واستفحال الفساد، وتفاقم معدلات البطالة في أوساط الشباب خاصة.

حكومات عربية عديدة احتفت بالمظاهرات الإيرانية وهللت لها، وأوعزت لأجهزة اعلامها الرسمية وغير الرسمية لتسليط الأضواء عليها، ليس تعاطفا مع الشعب الإيراني، وانما كرها بالنظام الحاكم في طهران، ونسيت هذه الحكومات ان شعوبها، او معظمها تعاني من الاعراض نفسها، وان انفجار احتقانها ينتظر عود الثقاب فقط في معظم الحالات.

تونس التي دخلت التاريخ الحديث كحاضنة للشرارة الأولى لثورات “الربيع العربي”، كانت السباقة في التقاط شرارة “الربيع الإيراني”، وأفادت تقارير إخبارية عن اتساع دائرة الاحتجاجات في طبربة غرب العاصمة، ومدينتي القصرين وسيدي بوزيد، وسقوط “شهيد” برصاص رجال الامن، يمكن ان يتحول الى “بوعزيزي” آخر، رغم نفي السلطات رواية مقتله هذه، والتأكيد على انها كانت بسبب الاختناق.

المتظاهرون التوانسة كانوا مثل اشقائهم السودانيين الذين نزلوا الى الشوارع في مظاهرات غاضبة في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور احتجاجا على اختفاء الخبز من المخابز، وارتفاع أسعاره، وتوقف المخابز لعدم وجود الدقيق أساسا، قوات الشرطة تصدت للمتظاهرين، وحاولت تفريقهم بالقوة، اسوة بنظيرتها التونسية.

***

اذا كان العاهل السعودي قرر انفاق 56 مليار ريال لشراء صمت موظفي الدولة والقطاعات العسكرية، ودفع الف ريال لكل موظف كتعويض عن غلاء المعيشة، ورفع الدعم عن المحروقات والمياه والكهرباء، وفرض ضريبة القيمة المضافة، في خطوة استباقية لامتصاص حالة الغضب المتضخمة، ومنع انفجارها في مظاهرات غير مسبوقة، فإن دولا مثل الأردن ومصر وتونس والسودان لا تملك مثل هذا “الترف”، مثلما لا تملك نفطا او غازا، ولا احتياطات نفطية، وانما تملك جبالا من الديون المتراكمة على شكل عشرات المليارات من الدولارات.

دولتان تعيشان حالة من الغليان الشعبي بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة هما الأردن ومصر، وبدرجة اقل المغرب، ولعل وضع الأولى، أي الأردن، هو الأخطر، حيث رفعت حكومة الرئيس هاني الملقي الدعم عن جميع السلع الأساسية، و”حررت” سعر رغيف الخبز في السوق، في محاولة لتوفير الموارد المالية لسد العجز في الميزانية الذي وصل الى ملياري دولار بسبب عقوق الدول الخليجية وعدم تنفيذ وعودها باستثناء دفع مليار دولار كمنحة سنوية على الأقل، علاوة على استفحال الفساد، وفشل نظام الجلب الضريبي، واتساع الهوة بين الفقراء والاغنياء بشكل مرعب.

البرلمان الأردني وافق على تقديم بدل نقدي مباشر للاردنيين الذين يستحقون الدعم، ولكن لا توجد آلية كفؤة سواء لتحديد هذا البدل، او كيفية تحديد الجهات التي تستحقه بدقة، مثلما يؤكد الكثير من المراقبين.

الحلول الأردنية المتوقعة لا تتمثل في التراجع عن الضرائب التي فرضتها الحكومة على اكثر من مئة سلعة، الى جانب الكهرباء والمياه، وأخيرا الخبز، فهذا خيار “انتحاري”، وانما ربما بالإطاحة بالحكومة التي فرضتها على الارجح، وتحويلها الى كبش فداء، وتحميلها المسؤولية، والاتيان بحكومة جديدة بصفحة ناصعة البياض، ولكن الى حين، وقد يتم اللجوء الى حل وسط، أي اجراء تعديل وزراء موسع يطيح بالوزراء المسؤولين عن زيادة الأسعار، لامتصاص حالة الغضب، ولكن خبراء اتصلت بهم “راي اليوم” رجحوا الخيار الأول وهو الإطاحة بالحكومة الحالية التي تفتقد للشعبية في أوساط المواطنين الأردنيين والنخبة معا.

الحال في مصر اكثر سوءا من نظيره الأردني، لان الاعلام في الاردن يملك مساحة أوسع للتعبير عن معاناة الشارع، وانتقاد إجراءات التقشف الحكومية، مضافا الى ذلك ان هناك برلمانا يضم بعض النواب “المشاغبين” او “المناكفين”، للحكومة، وينتقدون سياساتها، ويطالبون برحيلها، اما الاعلام في مصر فيرسم في معظمه صورة وردية للأوضاع المعيشية بطريقة او بأخرى، اما مجلس الشعب، او برلمان الحكومة، فشبه مغيب، ويردد ما تريد قوله السلطات العليا، ومن غير المستبعد ان تنتقل “عدوى” الاحتجاجات الإيرانية الى الشارع المصري، رغم انه، أي الشارع، يعاني من الانهاك من سنوات الاحتجاج والاعتصام في الميادين العامة، فالغلاء بات اصعب من ان يحتمل، والاسعار وصلت الى معدلات فلكية مع تدهور الخدمات العامة، وانخفاض الأجور، وتفاقم معدلات البطالة.

***

السيد حسن روحاني الرئيس الإيراني الإصلاحي يختلف مع جناح المحافظين الذي يريد حصر “العلة” في ارتفاع الأسعار، ويؤكد على ضرورة الالتفاف الى مطالب المحتجين الأخرى في توسيع دائرة الحريات، والاقدام على إصلاحات سياسية واجتماعية، ويوجه اللوم الشديد للمسؤولين “الذين ابتعدوا عن جيل الشباب الذي يمثل اكثر من 60 بالمئة من تعداد الشعب الإيراني”، ويقول “المشكلة اننا نريد من جيل احفادنا ان يعيش مثلنا”.

ايران قد تكون خرجت من نفق الاحتجاجات المظلم بأقل الخسائر، ولا نستبعد ان تدخله دول عربية عديدة في المستقبل المنظور، وقد يكون نفقها في هذه الحالة طويلا، واكثر ظلاما، لغياب الحريات واستفحال القمع والفساد.

فاذا كان الامراء تمردوا في دولة غنية مثل السعودية، واعتصموا في قصر الحكم احتجاجا على خفض الدعم عنهم، حسب الرواية الرسمية، فكيف سيكون حال الشعوب في السعودية (المنحة الشهرية لم تشمل موظفي القطاع الخاص وهم الأغلبية ولا الوافدين)، وجوارها العربي.

نترك لكم اكمال بقية القصة.