الأردن في طور التمرد على حلفائه في السعودية والخليج ويتجه شمالا الى سورية وتركيا وشرقا الى العراق وايران.. هل تمرده المتوقع استراتيجي ام تكتيكي؟ وكيف سيواجه انتقام ترامب المتوقع بعد تحديه في الأمم المتحدة؟

عبد الباري عطوان

كان امرا معيبا ان يقف مندوب سورية على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة متحدثا ومؤكدا ان حكومة بلاده لن تتراجع عن موقفها الثابت إزاء القدس المحتلة، والقضية الفلسطينية، وحتمية استعادة جميع الأراضي العربية المحتلة كاملة، وانهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، بينما تجمد الجامعة العربية عضوية سورية، ولا توجه لها منظمة التعاون الإسلامي التي تهيمن عليها السعودية الدعوة للمشاركة في قمة إسطنبول الإسلامية التي انعقدت لبحث تهويد المدينة المقدسة والاعتراف بعا كعاصمة للدولة الإسرائيلية.

الأردن يقود تحركا قويا هذه الأيام في محاولة من جانبه، ولو متأخرة، لتصحيح هذا الاعوجاج، وإعادة سورية الدولة والشعب الى المؤسسات العربية مجددا، وتمثل هذا التحرك في الاحتجاج العنيف الذي عبر عنه السيد عاطف الطراونة، رئيس مجلس النواب الأردني في اجتماع لاتحاد البرلمانيين العرب في المغرب استثنى دعوة وفد برلماني سوري للمشاركة، وزيارته، أي السيد الطراونة، للقائم بالاعمال السوري في عمان، ومباركته انتصارات الجيش العربي السوري واستعادة معظم الأراضي السورية من قبضة الجماعات الإرهابية والمسلحة.

***

يصعب علينا ان نفهم استمرار حكومات عربية في مقاطعة سورية بالطريقة التي تقوم عليها حاليا، وكأنها لا تقرأ الوقائع على الأرض، ولا ترى المتغيرات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط برمتها، وظهور محاور سياسية جديدة بقيادة روسيا بدأت تعيد رسم معادلات القوة وفق هذه المتغيرات، مثلما تكابر في الوقت نفسه، وترفض الاعتراف بفشل مشاريعها في تفتيت هذه الامة، وتدمير اعمدتها المقاومة للاحتلال الإسرائيلي.

فاذا كان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يؤكد ان بلاده ستعيد فتح قنوات الاتصال مع سورية بعد هزيمة “الدولة الإسلامية”، فهل الحكومات العربية الأخرى اكثر فهما وقوة من فرنسا التي قادت الحرب في سورية، ولعبت دورا كبيرا في دعم المعارضة السورية عسكريا وسياسيا وماليا؟ فالمسألة ليست مسألة “عناد” ومكابرة، وانما مسألة متغيرات على الأرض لا يمكن تجاهلها، او القفز فوقها، ووضع السياسات التي تتلائم معها.

الأردن ارتكب خطأ كبيرا في رأينا عندما راهن على المشروع الأمريكي في سورية وباقي دول المنطقة، وانخرط فبه بقوة طوال السنوات السبع الماضية في خندقه، ولم يجن من وراء ذلك غير التهميش والاستهداف، والعقوق ونكران الجميل، خاصة من حلفائه العرب في السعودية ودول الخليج، وحان الوقت لكي يصحح هذا الخطأ بطريقة جذرية.

السيد الطراونة يستعد للقيام بزيارة لمجلس الشعب السوري في دمشق، وأخرى للمشاركة في مؤتمر برلماني إيراني آخر لدعم قضية القدس المحتلة في مواجهة التهويد، وهذا امر جيد، لكنه لا يكفي، لان ما هو مطلوب هو تخلي الحكومة الأردنية عن تحفظها غير المفهوم، وارسال وزير خارجيتها الى البلدين لتدشين عودة العلاقات رسميا.

 الأردن كب قربته على هوى سحاب السعودية ودول الخليج، ولكن هذا السحاب لم يمطر غير الوعود الكاذبة، والغطرسة المتعمدة، والمزيد من الاذلال، في وقت كانت مئات المليارات من الدولارات في وقت كانت مئات المليارات من الدولارات تذهب الى “أمريكا ترامب” على شكل استثمارات وصفقات أسلحة، ووصل الامر بالوصاية السعودية على الأردن درجة مطالبته بمقاطعة القمة الإسلامية في إسطنبول، او تخفيض تمثيله فيها، والتشكيك في حمايته للاماكن المقدسة في فلسطين المحتلة.

***

الموقف الأردني القوي في دعم عروبة القدس المحتلة ومقدساتها، والرافض للإملاءات الامريكية، يجب ان يتطور الى نسج تحالفات جديدة مع محور المقاومة، والانفتاح شمالا (سورية)، وشرقا (العراق وايران)، وإقامة جسور التعاون مع تركيا التي تحترم هويته الهاشمية ودلالاتها في الوصاية على الأماكن المقدسة، فقد آن الأوان للتخلص من سياسات وتحالفات عقيمة لم تعد عليه الا بالتبعية والاذلال والتسول والتهميش.

تصويت الأردن القوي في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يدين مشروع الرئيس دونالد ترامب في تهويد القدس المحتلة، ربما يعرضه الى مضايقات وضغوط، وربما إجراءات انتقامية بخفض المساعدات المالية، او حتى وقفها، وترحيل آلاف الفلسطينيين اليه، وجعله الوطن البديل، لانه رفض ان يبيع كرامته الوطنية، مقابل حفنة من الفضة، وهذا يتطلب التفافا شعبيا حول السلطة، والوقوف في خندقها في مواجهة هذه التهديدات، لتصليب عودها، وتعزيز صمودها.