دولارات “السمسار” ترامب تفشل في شراء ذمم الشرفاء في العالم.. والتصويت الساحق في الأمم المتحدة هو الرد على وقاحة نيكي هيلي وحليفها الإسرائيلي.. ومصر والأردن والسلطة لم ترهبها التهديدات بقطع المساعدات الامريكية وهذا موقف مشرف.. ونتمنى ان تتجرأ واشنطن وتقطعها وهذه هي اسبابنا

عبد الباري عطوان

الأمم المتحدة ليست للبيع، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب فشل في شراء دول العالم فقيرها وغنيها بدولاراته، ومندوبته نيكي هيلي هربت من القاعة مبكرا لانها لم تحتمل الهزيمة، ومندوب إسرائيل كان وحيدا معزولا، ولم يجد الا ثماني دول تقف في خندقه وحليفته أمريكا، بعضها يحتاج المرء الى عدسات مكبرة لرؤيتها على الخريطة مثل مكرونيزيا وجزر المارشال، وناورو.

لا شك ان تصويت ثلثي أعضاء الأمم المتحدة الى جانب مشروع القرار الذي يدين تهويد القدس المحتلة، ونقل السفارة الامريكية انتصار كبير، ونقطة تحول تاريخية دولية الى جانب القضية الفلسطينية، ولكن ما هو اهم من ذلك ان سياسة الابتزاز والتهديد التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدول الفقيرة التي تتلقى مساعدات من بلاده قد تلقت هزيمة ساحقة، وصفعة قوية، وامام العالم بأسره، وهذا انجاز غير مسبوق.

هذا التصويت الساحق مرمغ انف الغطرسة الامريكية في التراب، ووجه رسالة قوية للرئيس ترامب وادارته، بأن العالم يستطيع ان يقول “لا” كبيرة لسياساته العنصرية “المكارثية”، ولتمننه على الدول الفقيرة التي تتلقى مساعدات من بلاده.

ربما يكون هناك دولة او اثنتان رضخت للتهديدات الامريكية بقطع المساعدات مثل أفغانستان ومالي اللتين سحبتا دعمهما لقرار الإدانة، ولكن هذه الدول مستعمرات أمريكية لا تملك قرارا مستقلا، ولا تستطيع ان ترفض أوامر سيدها الأمريكي المتعجرف.

***

كانت نيكي هيلي مندوبة أمريكا في قمة الوقاحة عندما هددت وعربدت، و”عايرت” المندوبين في كلمتها بأنها لن تقدم المساعدات مجانا، وذكرتهم بانها الدولة الأكثر مساهمة في ميزانية المنظمة الدولية، ولكن المندوب الإسرائيلي كان الاكثر وقاحة، والاقل ادبا، وهذا ليس مستغربا، عندما وصف مندوب 128 دولة ايدت القرار بأنهم مثل “الدمى” تحركهم القيادة الفلسطينية، فهل روسيا وفرنسا والصين و128 دولة أخرى “دمى” متحركة؟

 امام هذا الموقف التاريخي الرافض للتهديد الابتزازي، يجب ان يشعر الرئيس ترامب بالعار، ومعه صهره جاريد كوشنر، وصديقهم الاثير بنيامين نتنياهو، فهؤلاء وكل من يؤيد سياساتهم، باتوا منبوذين من العالم بأسره، وهذا في حد ذاته الدرس الأبلغ لكل من بغى وتجبر.

لا نعرف ما هي خطوات ترامب الانتقامية المقبلة، ومن هي الدول العربية التي ستستهدفها، ونحن نتحدث هنا عن مصر والأردن والسلطة الفلسطينية التي تتلقى النصيب الأكبر من المساعدات الامريكية بعد دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن ما يمكن ان نسجله هنا في هذه العجالة، ان هذه الدول تعاطت باباء وشمم مع التهديدات، وانتصرت لقضية القدس وعروبتها، وقدمتها على أي مصلحة أخرى، ورفضت ان تتنازل عنها المدينة المقدسة، مقابل حفنة من الدولارات المسمومة، وهذا في حد ذاته موقف مشرف يستحق التنويه، ففي الظروف الصعبة تظهر معادن الدول، وما زلنا ننتظر منها المزيد.

الرئيس ترامب لا يجرؤ على تنفيذ تهديداته وقطع المساعدات عن هذه الدول الثلاث، لانه لو فعل ستكون بلاده وحليفتها إسرائيل المتضرر الأكبر، وستنهار كل معاهدات السلام الموقعة والتي استمرت لأسباب عديدة ابرزها تدفق هذه المساعدات.

حصة الدعم المالي الأمريكي للسلطة الفلسطينية هي الأقل بالمقارنة مع الدول الأوروبية والعربية، وإصرار القيادة الفلسطينية على النزول الى ميدان التحدي، والمضي قدما في دعم القرار الاممي المدين لتهويد القدس خطوة شجاعة، يجب ان تستمر وتدعم بخطوات أخرى، مثل سحب الاعتراف بدولة الاحتلال، واتفاقات أوسلو، والعودة الى المقاومة بأشكالها كافة، والمزيد من الدعم للانتفاضة الحالية المتأججة.

***

نتمنى ان يتجرأ الرئيس ترامب وينفذ تهديداته بقطع المساعدات عن هذه الأطراف العربية، لان هذا سيعني اكتمال انهيار السياسة الامريكية كليا في الشرق الأوسط، ومقدمة لانهيار إسرائيل أيضا، وازالة “ورم” معاهدات السلام السرطاني التي اذلت الامة، ونزعت كرامتها، وحولتها الى دول مهانة واسيرة لامريكا واسرائيل واملاءاتهما، وفتات المساعدات المالية المسمومة.

القدس العربية الإسلامية ليست للبيع، ودولارات التاجر الأمريكي فشلت في امتحان الكرامة وعزة النفس، فعندما يكون هناك هذا الدعم الدولي الهائل بالتوازي مع وجود ابطال على الأرض مثل الشهيد إبراهيم ابو ثريا، والأسيرة عهد التميمي، والآلاف مثلهم، فان السنوات العجاف تلفظ انفاسها الأخيرة حتما، وكذلك الاحتلال الإسرائيلي.. والايام بيننا.