ترامب اطلق رصاصة الرحمة على الفتنة الطائفية.. ومشروع الحرب الشيعية السنية.. لماذا خرجت ايران وتركيا الدولتان غير العربيتين الرابح الأكبر؟ وما هو مستقبل محور الاعتدال “السني”؟ وماذا يعني اتصال سليماني علنا بقادة الجناحين العسكريين لحماس والجهاد؟

عبد الباري عطوان

اطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النار على اقدام حلفائه “العرب السنة” في الخليج العربي، والسعودية ومصر، او ما يسمى محور “الاعتدال العربي”، باعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، واشعل فتيل انتفاضة ربما تمتد لاشهر او حتى سنوات، وتكون مقدمة لحرب إقليمية، وتعتبر خرائط، ومعادلات القوة وتحالفاتها في المنطقة.

مقامرة الرئيس ترامب التي حظيت بترحيب واسع من قبل بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، واللوبي الليهودي في واشنطن، همّشت اهم حليفين عربيين للولايات المتحدة، وهما المملكة العربية السعودية ومصر، وصعدت من مكانة دولتين أخريين غير عربيتين، هما ايران وتركيا، اللتين تقفان في الخندق المقابل في الصراع على زعامة العالم الإسلامي، ومرجعياته الإسلامية.

عندما يقدم الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني على الاتصال علانية بقادة كل من كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس″، وسرايا القدس الجناح العسكري لحركة “الجهاد الإسلامي”، ويؤكد لهما استعداد ايران للدعم الشامل لقوى المقاومة في مواجهة إسرائيل، وتنشر مواقع إيرانية صوره مرفوعة قبالة قبة الصخرة في القدس المحتلة، فان هذا يعني ان ايران باتت الحليف الأقوى للفلسطينيين وانتفاضتهم، في وقت ينشغل فيه معظم خصومها العرب في الخليج بالتطبيع مع الدولة الإسرائيلية، والتواطؤ مع خطوة ترامب في تهويد المدينة المقدسة.

***

الجنرال سليماني لم يتدخل في حرب الا وخرج منها فائزا، تدخل في كردستان العراق وافشل الاستفتاء، وقاتل في سورية الى جانب الجيش العربي السوري، وساهم في إعادة سيطرة الدولة على معظم انحاء البلاد، واسس الحشد الشعبي في العراق، ومكنه من استعادة الموصل ومعظم المدن العراقية الأخرى، وها هو يتمدد نحو فلسطين، والقدس المحتلة، في ظل انشغال العرب بالبذخ وتسمين الجيوش وعلفها بأطيب الطعام.

المملكة العربية السعودية كانت تراهن على تشكيل تحالف عربي إسلامي سني لمواجهة اتساع دائرة النفوذ الإيراني الشيعي، ولكن ازمة القدس الحالية وتبعاتها وجهت ضربة قوية لهذا الطموح لاظهارها نشوء جبهة إسلامية تضم اقوى قوتين اقليميتين اسلاميتين تتوحدان على أرضية غير طائفية او مذهبية لمواجهة إسرائيل وحليفها ترامب، وهما تركيا السنية وايران الشيعية، ومعهما الاشقاء المسيحيين العرب، وإعادة هوية الصراع في المنطقة الى جذورها الحقيقة باعتباره صراع حضاري في مواجهة دولة عنصرية إسرائيلية، وهذا تحول لم تحسب حسابه إسرائيل وحلفاؤها في حلف “الاعتدال السني”.

محاربة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي العنصري باتت الآن على قمة أولويات المحور الإيراني التركي وحلفائه العرب والمسلمين، ونجزم بأن هذا التطور الجديد، وغير المسبوق، سينعكس في مداولات وخطب والبيان الختامي للقمة الإسلامية التي تبدأ اعمالها غدا (الأربعاء) في إسطنبول بدعوة من الرئيس رجب طيب اردوغان، وربما تشكل نقطة تحول تاريخية.

كان لافتا “نأي” المملكة العربية السعودية بنفسها عن هذه القمة، واعمالها من خلال تمثيلها فيها بوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو ادنى تمثل ممكن،  واقتصار المشاركة المصرية على وزير الخارجية سامح شكري، الامر الذي يعكس تراجع دور حكومتهما في قضية تشغل العالم الإسلامي وتثير غضبه وتحتل قمة اهتماماته، وهي تهويد القدس، وإلغاء الهوية العربية الإسلامية لها بمباركة أمريكية.

السيد حسن نصر الله، امين عام “حزب الله” اللبناني التقط هذا التحول الاستراتيجي بشكل سريع في خطابه الذي القاه مساء امس في مظاهرة ضخمة انطلقت من معقله بالضاحية الجنوبية لبيروت عندما قال “ان الحزب وحلفاءه في المنطقة سيجددون تركيزهم على القضية الفلسطينية بعد الانتصارات التي حققوها في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، في إشارة غير مباشرة الى سورية والعراق واليمن، ودعا الى وضع استراتيجية موحدة في الميدان لمواجهة إسرائيل، وسط هتافات المتظاهرين المرددة “الموت لامريكا.. الموت لإسرائيل.. على القدس رايحين شهداء بالملايين”.

اخطر انجاز حققته الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، هو تشكيل منظمات عسكرية موازية للجيوش، ذات طابع شعبي غير رسمي، قادرة على خوض حروب عصابات شرسة، وحسمها لصالحها، مثل الحرس الثوري في ايران، والحشد الشعبي في العراق، و”حزب الله” في لبنان، و”انصار الله” الحوثية في اليمن، وحركتي “حماس″ و”الجهاد الإسلامي” في فلسطين المحتلة، وتسليحها بالصواريخ القادرة على تحقيق توازن الردع في مواجهة الخصوم، المدججين بالأسلحة والطائرات الامريكية.

***

الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في القدس المحتلة واجبرت نتنياهو على ازالة بوابات المسجد الأقصى الالكترونية، انتهت بتحقيق مطالبها كاملة، ولأنها كانت عفوية، ولم تكن منظمة وتحظى بدعم خارجي، اما وضع الانتفاضة الحالية فمختلف لانها تحظى بزخم شعبي عربي إسلامي عابر للحدود، وتقف خلفها منظمات ودول إقليمية إسلامية عظمى، مما يرجح استمرارها لفترة أطول قد تمتد اشهرا وربما سنوات.

ترامب يستحق الشكر بقراره المذكور، لانه وحد العالم الإسلامي، ووجه ضربة قاتلة للفتنة الطائفية، وعزل حلفاءه العرب المطبعين الذين نقلوا اسرائيل الى خانة الصديق الحليف، وسحب زعامة العالم الإسلامي منهم، وهمش دورهم، والاهم من كل هذا وذاك، وضع حلفاءه الإسرائيليين في دائرة الخطر، مما اثار رعبهم وقلقهم.

الاستقبال الغاضب الذي حظي به وفد التطبيع البحريني في القدس المحتلة، وطرده من قبل المرابطين في المسجد الأقصى، واغلاق قطاع غزة في وجهه، والتهديد بضربه بالاحذية، يلخص الانقلاب الكبير في الرأي العام العربي والإسلامي، او معظمه، ويوجه رسالة قوية الى المطبعين الداعمين للرئيس ترامب والمتواطئين مع قراره الاستفزازي العنصري، بأن لا مكان لهم في المرحلة الجديدة، مرحلة المقاومة والشرف والانتصار للقضية الفلسطينية، وكل القضايا العربية والإسلامية العادلة.