لماذا اختار بوتين قاعدة حميميم الجوية للاحتفال بالنصر واستقبال الأسد؟ وهل يعيد الاتفاق النووي مصر الى الحاضنة الروسية؟ ولماذا نجزم ان المحطة التركية الأكثر أهمية في جولته الخاطفة؟ وهل يكفي ضرب المطبعين العرب بنعال السيد نصر الله؟

عبد الباري عطوان

تعكس جولة الرئيس فلاديمير بوتين الحالية الخاطفة لمنطقة الشرق الأوسط، وتشمل ثلاث محطات رئيسية هي سورية ومصر وتركيا النفوذ الروسي المتضخم الذي يتمدد بسرعة قياسية على حاسب النفوذ الأمريكي المنكمش، وصعود محور المقاومة، وعودته الى القضية العربية المركزية اقوى من أي وقت مضى.

كان طبيعيا ان يبدأ الرئيس الروسي هذه الجولة بزيارة قاعدة حميميم الجوية في منطقة اللاذقية شمال سورية، التي لعبت الدور الأكبر في حسم الازمة السورية لصالح الجيش العربي السوري، وافشال جميع المخططات الرامية الى اسقاط النظام في دمشق، وان يعلن وسط طياريها “ان المهمة قد أنجزت”، ويصدر تعليماته، بإعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، للغالبية العظمى من الطائرات وطياريها بالانسحاب والعودة الى الوطن، ساحبا البساط من تحت الذرائع الامريكية بإبقاء قوات في العراق وسورية.

الانتصار الذي حققه الرئيس بوتين في سورية فتح له أبواب منطقة الشرق الأوسط على مصراعيها، واستطاع ان يوجه من خلاله رسالة قوية الى حكوماتها وشعوبها معا، بأن الخلطة السحرية للسياسة الروسية التي تعتمد على الدبلوماسية المدعومة بالقوة العسكرية، تشكل نظرية عالمية جديدة باتت تحصد الإنجازات والحلفاء والانتصارات مجتمعة.

الفارق كبير بين الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الذي اعلن ان “المهمة أُنجزت”  في نيسان (ابريل) عام 2004 بعد دخول قواته بغداد، وبين نظيره الروسي الذي استخدم التعبير نفسه في قاعدة بلاده في اللاذقية، فالأول تعرض الى هزيمة نكراء على ايدي رجال المقاومة العراقية، وخسر الآلاف من جنوده الى جانب خسارته لهيبته، لانه دخل العراق متسللا كاللص اعتمادا على اكذوبة اللوبي الإسرائيلي وتحريضه، والثاني يحصد ثمار النصر الذي انجزته جرأته وشجاعته وادارته المحسوبة جيدا للازمة، وعدم تردده في ارسال طائراته وجنرالاته لنجدة حليفه السوري لهزيمة المشروع الأمريكي في سورية، الامر الذي اكسبه عقول وقلوب مئات الملايين في العالمين العربي والإسلامي، وهو مكسب استحقه عن جدارة.

***

الرئيس بوتين انتقل من المحطة السورية الى القاهرة حيث التقى بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ثاني اكبر مشتر للأسلحة الروسية في العالم، ووقع معه معاهدة تنص على بناء روسيا مفاعلا نوويا في محطة الضبعة، وارسال العديد من الخبراء للإشراف على تشغيله، وتدريب الكوادر العلمية المصرية التي ستتولى مهمة ادارته، أي المفاعل مستقبلا.

هذه الزيارة لمصر تدشن مرحلة جديدة في العلاقات الروسية المصرية، وتقرّب مصر اكثر الى المحور الروسي، وتعيدها الى الحاضنة الطبيعية لها، بعد ان ضلت الطريق الى الولايات المتحدة على يد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي دفع حياته ثمنا غاليا لهذا الانحراف، وافقدها دورها القيادي والريادي، واغرقها في الديون والتبعية للمال الخليجي.

عندما يتربع الرئيس بوتين على عرش تحالف يضم سورية والعراق وايران وتركيا، وقريبا مصر، فإن هذا يعني انه بات الامبراطور الفعلي لمنطقة الشرق الأوسط، وصانع هويتها الجديدة، بعيدا عن التبعية الامريكية التي قادت المنطقة الى الحروب والارهاب والدول الفاشلة والصراعات المذهبية.

لا نبالغ اذا قلنا ان المحطة الاخيرة في جولة بوتين هذه هي الأكثر أهمية، ليس لانها ستستضيف قمة إسلامية بعد يومين، لادانة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقراره بالاعتراف بيهودية القدس المحتلة، وانما لان دبلوماسيته أخرجت تركيا من تحت المظلة الامريكية، ولو جزئيا وجعلها تلعب الدور الأبرز في هزيمة الارهاب وجماعاته المسلحة في سورية، وتهيئة الظروف لحل سياسي.

الرئيس بوتين هو مهندس جسور التعاون، بل والتحالف، بين ايران وتركيا، وجمعهما معا تحت قيادته في سوتشي في قمة رسمت خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، ولا نستبعد ان يمهد الرئيس الروسي بضم الرئيس بشار الأسد الذي التقاه بـ”حميمية” في قاعدة حميميم اليوم الاثنين الى هذا المحور الجديد، والتمهيد للقاء يجمعه بالرئيس التركي رجب طيب اردوغان.

مواقف الرئيس اردوغان المعارضة بشدة لقرار الرئيس ترامب بنقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة، والمتزعمه للتيار الرافض له، واتهامه لامريكا بدعم الإرهاب، وتوعده بقطع العلاقات مع إسرائيل، ودخوله في ملاسنة حادة مع بنيامين نتنياهو، تجعل المصالحة السورية التركية اقرب من أي وقت مضى.

***

الرئيس بوتين بنصرته لحلفائه، حتى لو تطلب الامر بالتضحية بخيرة جنرالاته وجنوده، استطاع كسب عقول وقلوب مئات الملايين في العالمين العربي والإسلامي، بل العالم الثالث أيضا، بينما لم يكسب نظيره ترامب الا الكراهية، بسياساته العنصرية والداعمة للارهاب الإسرائيلي، والأكثر من ذلك انه احرج حلفاءه العرب أيضا، وزاد من عزلتهم، ووضعهم في موقف الدفاع عن النفس، امام سيل الاتهامات التي يواجهونها هذه الأيام بالخيانة بسبب تطبيعهم العلاقات مع إسرائيل، وتقديم مئات المليارات لدعم الاقتصاد الأمريكي، جرى اقتطاعها من لقمة عيش شعوبهم وحرمانها من الحد الأدنى من العيش الكريم.

حلفاء بوتين هم الذين يتصدرون الساحة حاليا، فها هي ايران وحلفاؤها في العراق يحتفلون بالنصر على “الدولة الإسلامية”، وها هو الرئيس الاسد يمد رجليه استرخاء في قصر المهاجرين، والابتسامة العريضة على وجهه، اما الرئيس اردوغان فاستعاد معظم شعبيته في العالم الإسلامي، ويخطف مقعد القيادة من منافسيه السعوديين، بتزعمه قمة إسلامية ستلغي عمليا التحالف الإسلامي الأمريكي الذي تأسس اثناء زيارة ترامب للرياض.

في ظل هذه التحولات يخرج علينا السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة بإعلان انطلاق الانتفاضة الثالثة، والتحريض بضرب كل من يذهب الى فلسطين المحتلة بالنعال، وليؤكد ان محور المقاومة لم يدخل حربا الا وخرج منها منتصرا، ويتنبأ بأن نهاية دولة الاحتلال الإسرائيلي باتت وشيكة، في خطاب القاه وسط بحر من المتظاهرين في الضاحية الجنوبية معقل المقاومين الشرفاء.

الرئيس بوتين لعب الدور الأكبر في دعم هذا المحور بدهاء غير مسبوق، ومن حقه الاحتفال بإنتصاره في سورية والعراق ولبنان وقريبا جدا في اليمن، والقدس المحتلة.. والأيام بيننا يا عرب والتطبيع.