هتافات عشرات آلاف المحتجين في الاردن ضد الامير بن سلمان.. ورفض شيخ الازهر والبابا تواضروس استقبال بنس نائب ترامب.. رسالتان قويتان للسعودية ومصر زعيمتا محور “الاعتدال العربي” طابعهما التمرد والانحياز للشارع الوطني الغاضب.. سونامي التغيير ينطلق من القدس.. والايام حبلى بالمفاجآت

عبد الباري عطوان

لم يكن الرئيس الامريكي دونالد ترامب الوحيد الذي اخطأ في حساباته، واساء تقدير ردود الفعل العربية الاسلامية تجاه قراره الكارثي بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال الاسرائيلي، ونقل السفارة الامريكية اليها، فمن الواضح ان حلفاءه الاقرب في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية ومصر والامارات ارتكبوا خطأ اكبر عندما لم يتخذوا موقفا قويا رادعا له، وتحذيره من تبعات قراره هذا، والانحياز الى الثوابت العربية والاسلامية، ومشاعر الغضب المشروع التي تجتاح الشارعين العربي والاسلامي حاليا، وهو موقف رقص له الاسرائيليون طربا في اعلامهم.

عندما يردد آلاف من المحتجين الغاضبين في مختلف انحاء الاردن الشعارات المنددة بالامير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، وتتهمه بالعمالة للولايات المتحدة، ولاول مرة في تاريخ هذا البلد، ويواجه الرئيس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الهتافات نفسها في اكثر من بلد عربي، وتعتقل قوات امنه حفنه من المتظاهرن كسروا الحظر الرسمي وتجمعوا امام نقابة الصحافيين، فهذا لا يعني تصنيف محور “الاعتدال” العربي في خانة امريكا واسرائيل، وانما بداية تفككه وعزلته العربية والاسلامية ايضا.

لا نعرف على اي اسس يبني هذا “المحور” قواعد استراتيجيته في المنطقة، ووفق اي معايير يحدد عقيدته العسكرية والسياسية معا، ولكن ما نعرفه ان خصوم هذا “المحور” الاقليميين يجنون ثمار هذه الاخطاء، ويخطفون الشارع العربي، والاهم من ذلك، يصنفونهم في خانة المتعاونين مع السياسات والمواقف الامريكية الحالية الداعمة للعنصرية الارهابية الاسرائيلية في وقت تتغير فيه معادلات القوة، والتحالفات بسرعة في المنطقة، على حساب تراجع النفوذ الامريكي.

***

من الصعب علينا الجزم بمن ضلل الآخر، فهل ضلل الرئيس ترامب حلفاءه “المعتدلين” عندما اعتقد بأن انشغالهم بأزماتهم الاخرى، مثل التدهور الاقتصادي (مصر)، او الحرب في اليمن، وبروز الخطر الايراني، اهم من الانشغال بقضية القدس، وفلسطين بالتالي، التي باتت مهمشة وتحتل ذيل اهتمام الشارع العربي والعالم، ام ان هؤلاء الحلفاء هم الذين ضللوا ترامب عندما اكدوا له ان الشارعين العربي والاسلامي في حال موات سريري، وان عليه ان يمضي قدما في مخططاته بنقل السفارة، والاعتراف بسياسة فرض الامر الواقع الاسرائيلية بالقوة قي كل فلسطين المحتلة، وايا كان المضَلَل، او المُضَلِل، فإن هذه “الصدمة” ستطلق شرارة الصحوة في العالمين العربي والاسلامي.

الرئيس التركي رجب طيب اردوغان التقط هذه اللحظة التاريخية بطريقة بارعة، وقرر توظيف اخطاء محور الاعتدال وانحيازه لامريكا، الذي يحتل قائمة الاعداء بالنسبة اليه، لخدمة “زعامته” المتسارعة للعالم الاسلامي التي يعمل على تكريسها حاليا بعد تحوله الى محور المقاومة الذي يضم ايران والعراق وسورية و”حزب الله”، وادارة ظهره للغرب الاوروبي والولايات المتحدة، ولا نستبعد ان يكون المؤتمر الطارىء لمنظمة التعاون الاسلامي، الذي دعا الى عقده في اسطنبول يوم الاربعاء المقبل للرد على الاهانة الامريكية، هو الخطوة الابرز على طريق تكريس هذه الزعامة.

القيادة السعودية “ترشي” الرئيس ترامب بأكثر من 500 مليار دولار استثمارات وصفقات اسلحة، وتطبع علاقاتها بشكل متسارع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، وتعطي الضوء الاخضر لبعض كتابها لتحسين صور اليهود والاسرائيليين والاشادة بهم باعتبارهم لم يقتلوا سعوديا واحدا، وتجريم الفلسطينيين اصحاب القضية العربية والاسلامية العادلة، وضحايا العدوان الاسرائيلي الامريكي (فهل قتل الفلسطينيون سعوديا واحدا؟)، كل هذا من اجل الاعداد لحروبها المفترضة القادمة مع ايران، ولكنها لا تعلم انها بمثل هذه التوجهات تقدم المكافآة التي تنتظرها القيادتان التركية والايرانية دون ان تخسرا دولارا واحدا في المقابل.

دولتان رئيسيتان خرجتا من تحالف الاعتدال العربي حتى الآن هما الاردن والمغرب، ولا نستغرب ان تكون مصر هي الثالثة التي تحذو الحذو نفسه في المستقبل القريب، في ظل حالة الغليان التي تجتاح الشارع المصري حاليا بسبب التنازل عن جزيرتي “تيران” و”صنافير” للسعودية اولا، وتزايد التقارير عن  مشروع اقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء ثانيا، وتزايد اعمال القمع ومصادرة الحريات مع استمرار الازمة الاقتصادية، وفشل معظم الحلول لعلاجها ثالثا.

لا نعتقد ان الدكتور احمد الطيب جمعة، امام الازهر احد ابرز المرجعيات الاسلامية في العالم، والبابا تواضروس الثاني، بابا الاسكندرية، كانا يتصرفان من تلقاء نفسيهما عندما اعلنا رفضهما بشكل قاطع طلبا رسميا سبق ووافقا عليه، بالقاء مايك بنس، نائب الرئيس الامريكي يوم 20 كانون الاول (ديسمبر) الحالي في اطار جولة عربية، احتجاجا على اعتراف ادارته بالقدس عاصمة للدولة الاسرائيلية الذي وصف بأنه باطل شرعيا وقانونيا، ويزوّر اصحابه التاريخ، ويسلبون حقوق الشعوب ويعتدون على مقدساتها.

هناك تفسيران لهذا الموقف المشرف من الدكتور الطيب رجل السلطة، وابرز مؤيدي محور الاعتدال العربي وسياساته، والبابا تواضروس الذي يحظى بإحترام كبير مصريا وعربيا:

  • الاول: ان يكونا اقدما على هذه الخطوة بطلب من الرئيس عبد الفتاح السيسي في محاولة لتوزيع الادوار، واسترضاء الشارع المصري، ومحاولة امتصاص غضبه واحتقانه، وهو الشارع الوطني الذي لا يمكن ان يقبل اي تفريط بالقدس والقضية والفلسطينية اللتين قدم آلاف الشهداء لنصرتهما على مدى عقود.

  • الثاني: ان يكون شيخ الازهر والبابا تواضروس ينطلقا من موقف وطني مسيحي واسلامي مستقل، ومتمرد، على المؤسسة السياسية في بلادهما ومواقفهما المتهاونة تجاه الاعتداءات الاسرائيلية المدعومة امريكيا على المدينة المقدسة وكنائسها ومسجد اقصاها وقبتها، ومحاولة تهويدها، ومسح هويتها العربية والاسلامية بالتالي.

ربما من المبكر ترجيح هذا التفسير او ذاك، فالامور في بداياتها، ولكن ما نحن متيقنون منه، ان مصر التاريخ والحضارة، والريادة، والارث الوطني الضخم، الممتد لقرون، لا يمكن ان تسكت على هذا الفجور، وهذه الاهانات الامريكية والاسرائيلية، وتتحول الى اداة لتمرير مخططات التهويد للارض والمقدسات في فلسطين.

فعندما يطالب شيخ الازهر اهل الرباط في القدس، وكل فلسطين بإشعال فتيل الانتفاضة الثالثة، فإن هذا تحول خطير في موقفه، سواء كان بإيعاز من الحكومة او تمردا على سياساتها المتواطئة مع رئيس امريكا السمسار والاهوج.

***

قمة التعاون الاسلامي التي سيتزعمها الرئيس اردوغان في اسطنبول يوم الاربعاء القادم تأتي ردا، ومن ثم نسخا، للقمة الاسلامية التي عقدتها السعودية في الرياض في شهر ايار (مايو) الماضي، ترحيبا بالرئيس ترامب وحريمه، وتتويجا لزعامته لمحور الاعتدال، اما غضبه شيخ الازهر هذه، فإنها رسالة سواء من الرئيس السيسي او اليه، بأن استمرار حشر مصر في القفص السعودي الخليجي ورهاناته الامريكية، لن يعمر طويلا، ان لم يكن قد اقترب من نهايته بطريقة او باخرى.

بالقدر نفسه من الاهمية يمكن الحديث عن التمرد الاردني الرسمي والشعبي على الهيمنة السعودية على القرار العربي، وذهاب الملك عبد الله الثاني الى اسطنبول في اقوى اشارة في هذا الصدد، لتكريس مصالحة، ثم تحالف، بين المرجعيتين الاسلامية العثمانية والهاشمية، ومقدمة لتوسيعه بحيث يشمل قمم والنجف الاشرف.

ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الامريكي، نصح القيادة السعودية بالتحلي بأكبر قدر من الهدوء في التعاطي مع ملفات ازماتها وخلافاتها في اليمن ولبنان وقطر، ومراجعة سياساتها في هذا المضمار، ونحن ننصحها وحلفاءها في مصر والامارات بتصويب بوصلتهم نحو القدس المحتلة، والتصدي للعار الامريكي الذي استهدفها، فمن غير المقبول ان تكون ارض الحرمين الشريفين الاقل تعاطفا، ونصرة لاهل الرباط الذين يدافعون عن الحرم الثالث في القدس، مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.