الحلف السوري الروسي الإيراني اتخذ قرار الحسم العسكري وانهاء “صداع مزمن” اسمه “الغوطة الشرقية” وتأمين العاصمة دمشق من قذائف الهون.. وهل سيكتب لهذه الخطوة التصعيدية النجاح؟ وما علاقتها بتأجيل الحوار الوطني في “سوتشي” الى شباط؟

عبد الباري عطوان

التطور الأهم في الازمة السورية هذه الأيام، ليس ما يجري في الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف بين وفد الحكومة السورية، برئاسة الدكتور بشار الجعفري ووفد المعارضة الذي يتزعمه السيد نصر الحريري، وانما في غوطة دمشق الشرقية، التي ستكون هدفا لهجوم كاسح للجيش العربي السوري لاستعادة السيطرة الكاملة عليها، وتأمين العاصمة دمشق من أي هجمات مستقبلية.

اذا صحت الانباء التي تقول ان قرارا عسكريا سوريا وروسيا وايرانيا قد جرى اتخاذه في الأيام القليلة الماضية بشن هذا الهجوم، وهي تبدو صحيحة وفقا لمصادر عالية الاطلاع اتصلت بها “راي اليوم” عبر مراسلها في بيروت، فإن هذا الهجوم لو تكلل بالنجاح على غرار نظرائه في حلب ودير الزور وتدمر والبوكمال، سيكون آخر المعارك الرئيسية على الأرض السورية ان لم يكن أهمها، لانه سيؤدي الى وقف القصف للاحياء الشرقية للعاصمة.

***

الغوطة الشرقية كانت دائما مصدر صداع امني وسياسي مزمن للقيادة السورية، لكونها مصدر تهديد للعاصمة التي ظلت لفترات طويلة “جزيرة آمنة” معزولة عما يجري في اطراف سورية ومدنها الأخرى، الامر الذي دفع بالسلطات السورية الى القبول، ولو على مضض، بمقترحات روسية بضمها الى مناطق خفض التوتر، والجلوس على مائدة المفاوضات مع الجماعات المسلحة المتواجدة فيها في منظومة آستانة.

الآن وبعد ان نجح الجيش العربي السوري في حسم المعارك لصالحه على جبهات مهمة، مثل تدمر ودير الزور والبوكمال، وقبلها حلب، باتت مسألة استعادة السيطرة على الغوطة الشرقية من الأولويات الملحة.

ثلاثة فصائل رئيسية تسيطر على الغوطة الشرقية حاليا هي “جيش الإسلام” بقيادة محمد علوش، رئيس وفد المفاوضات في الآستانة، والمعروف بعلاقاته الوثيقة مع المملكة العربية السعودية، و”فيلق الرحمن” الذي يتبنى استراتيجية متشددة وانخرط في العديد من المواجهات مع الجيش الأول، في صراع على السلطة والنفوذ، و”جبهة النصرة” التي يتزعمها ابو محمد الجولاني.

المقربون من النظام يقولون ان كيل الجيش العربي السوري والقيادة السياسية معا قد طفح، خاصة بعد اختراق الفصائل لتفاهمات الآستانة، وخرق الاتفاقات التي جرى التوصل اليها في اطار منظومة تخفيف التوتر، ولهذا ستلجأ هذه القيادة الى الهجوم العسكري الكاسح وبأسلحة وصواريخ حديثة متطورة، وفقا لمقولة “ان آخر العلاج الكي”.

موافقة الشريكين الروسي والإيراني على هذا الهجوم تبدو مؤكدة، وتعزز موقف القيادة السورية في مواجهة ضغوط دولية متعاظمة بضرورة رفع الحصار عن الغوطة الشرقية لما يسببه من معاناة لمئات الآلاف من المدنيين المحاصرين التي تقول الحكومة السورية ان الفصائل المسلحة تستخدمهم كرهائن.

انتقال الغوطة الشرقية من “تخفيف التصعيد” الى “مضاعفته”، بات وشيكا، ان لم يكن قد بدأ فعلا، خاصة بعد اقدام فصائل مسلحة فيها الى امطار العاصمة بقذائف الهاون اسفرت عن قتل العديد من المدنيين، والحقت اضرارا بالغة بالمنازل والسيارات في شرقها في الأيام الاخيرة، الامر الذي يشكل حرجا كبيرا للحكومة، ويزيد من حدة الانتقادات لها من حيث كونها لا تفرض الامن والهدوء في دمشق العاصمة، واحيائها الرئيسية وخاصة حي جوبر.

***

عملية إعادة الاعمار التي باتت وشيكة، من الصعب ان تبدأ في ظل استمرار سقوط القذائف والصواريخ على العاصمة لسبب او لآخر، لان هذا القصف لا يوفر البيئة المناسبة للاستثمار وجذب الشركات ورؤوس الأموال، وهذا ما يفسر، في رأي الكثير من المراقبين، فتور الحكومة تجاه مفاوضات للتوصل الى هدنة جديدة في الغوطة، مرشحة للانهيار وفق نظيراتها السابقات.

الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف لن تكون افضل من سابقاتها، وتأجيل مؤتمر الحوار الوطني الموسع الذي دعت اليه موسكو في سوتشي هو الذي سيقرر هوية وتطورات المرحلة المقبلة في سورية، ولا نستبعد ان يكون تأجيل انعقاده الى شباط (فبراير) المقبل، جاء الى جانب أسباب أخرى، لتوفير المناخ للقيادة السورية لحسم الوضع في الغوطة الشرقية واستعادتها بالكامل.. والأيام بيننا.