اكراد سورية استوعبوا الدرس وقرروا التخلي عن أمريكا قبل ان تتخلى عنهم.. كيف جاء هذا التحول؟ وهل ستكون “الخطبة” في جنيف و”العرس″ في سوتشي؟ ولماذا تتلكأ أمريكا في الاعتراف بالهزيمة والانسحاب؟ اليكم بعض الإجابات

عبد الباري عطوان

تستأنف بعد غد الثلاثاء في جنيف المفاوضات “المباشرة” حول كيفية التوصل الى حل سياسي للازمة السورية، بمشاركة وفد الحكومة بقيادة الدكتور بشار الجعفري، وحضور وفد موحد عن المعارضة السورية برئاسة السيد نصر الحريري، منسق الهيئة العليا الجديد، ولكن هناك شكوك حقيقية حول فرص نجاحها، لسبب بسيط لان العملية السياسية الحقيقية هي تلك التي تجري في منتجع سوتشي، برعاية روسية مباشرة، ومباركة إيرانية تركية وموافقة رسمية سورية، وتحت عنوان الحوار الشعبي السوري.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو، اين الامريكان، وأين السعوديين، واين القطريين، هؤلاء الذين كانوا يشكلون أرقاما صعبة في الازمة السورية طوال السنوات السبع الماضية؟

السعوديون والقطريون انسحبوا من الدوامة السورية، بعد ان تيقنوا بأن الاستمرار يعني المزيد من الخسائر، علاوة على احتمال الصدام مع روسيا، التي باتت صاحبة الكلمة العليا في هذا الملف، سياسيا وعسكريا، مضافا الى ذلك انشغال الطرفين في خلافاتهما المتأججة، اما الامريكيون فيعيشون حالة من الارتباك غير مسبوقة، عنوانها حتمية الاعتراف المباشر، او غير مباشر بالهزيمة، ورفع راية الاستسلام البيضاء.

***

عندما سئل جيم ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي، الأسبوع الماضي عن خطط بلاده بشأن وجود 500 من قواتها الى جانب ضعف هذا الرقم من الفنيين والاداريين العاملين في قطاع خدمتهم، خاصة ان السبب الرئيسي لذهابها لم يعد موجودا بعد خسارة “الدولة الإسلامية” لاكثر من 95 بالمئة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في سورية والعراق، حاول الوزير الأمريكي المراوغة، والاغراق في العموميات تهربا، واهم ما قاله ان القوات الامريكية ستبقى حتى التوصل الى تسوية سياسية بين الرئيس بشار الأسد والمعارضة.

صحيفة “واشنطن بوست” كشفت في تقرير لها نشرته الأسبوع الماضي ان وزارة الدفاع الامريكية تخطط لزيادة عدد القوات الامريكية في شمال سورية من اجل مواجهة النفوذ الإيراني، حيث دربت وسلحت قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية.

لا نعتقد ان إدارة الرئيس ترامب تستطيع البقاء في سورية، سواء في الشمال او الجنوب، حتى لو تضاعف عددها عشرات المرات، لانها ستواجه هزيمة عسكرية وسياسية مؤكدة، وستكون صيدا ثمينا وسهلا لقوات المقاومة السورية و”حزب الله” والحرس الثوري الإيراني في سورية، وقوات الحشد الشعبي في العراق، لان هذه القوى، تتعطش شوقا للانخراط في حرب عصابات ضد الامريكان على غرار ما حدث، وربما اخطر، في العراق بعد الاحتلال.

حلفاء أمريكا في شمال سورية، أي قوات سورية الديمقراطية، التقطت الرسالة، وقرأت الأوضاع المستقبلية المتوقعة في سورية، قراءة صحيحة، وادركت انه لا يمكن التعويل كثيرا على الوعود الامريكية في الدعم والمساندة، في المرحلة المقبلة، وقررت الانضمام الى المعسكر المنتصر، وكان السيد رياض درار، الرئيس المشترك لمجلس سورية الديمقراطية، الأكثر تعبيرا على هذا التحول عندما صرح لشبكة “رووادو” الكردية اليوم الاحد “ان قواته ستنضم للجيش السوري الذي سيتكفل بتسلحيها عندما تتحقق التسوية السورية”.

***

الاكراد بدأوا يتخلون عن أمريكا قبل ان تتخلى عنهم، وتتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم في مواجهة التحالف المنتصر في سورية والعراق، وتعلموا دروس الخذلان التي تلقاها اشقاؤهم في شمال العراق بعد الاستفتاء، وشمال غرب سورية (قوات الحماية الكردية) عندما باعها الرئيس ترامب للأتراك، واعلن في مكالمة هاتفية مع الرئيس رجب طيب اردوغان ان بلاده ستوقف كل اشكال الدعم العسكري لهذه القوات من اجل إعادة التحالف مع تركيا.

مؤتمر جنيف الثلاثاء المقبل سيكون مجرد مهرجان احتفالي، اما العرس الحقيقي فسيكون في سوتشي، بحضور ممثلين عن اكثر من أربعين حزبا وتنظيما وسلة وقبيلة، الى جانب ممثلي الحكومة لوضع دستور جديد، وتحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، وكان قرار الحكومة السورية بالموافقة على حضور هذا المؤتمر دون تردد مما يعكس اطمئنانها لنتائجه.

الأسد باق في قصر المهاجرين، وبات الحديث عن رحيله، بالنسبة للمعارضة خاصة، من المحرمات لانها بكل بساطة لم تكسب الحرب مثلما افتى قداسة السيد ستيفان دي مستورا، وهو رجل عالم ببواطن الأمور، وظواهرها معا.. وبوتين اعلم.