الرئيس البشير يشق عصا الطاعة على حلفائه السعوديين من موسكو ويعارض الحرب ضد ايران ويعلنها على امريكا.. ما الذي جرى؟ وهل سيكون قراره المقبل سحب قواته من اليمن؟ وهل دعمه لاستمرار الاسد “انقلاب” في حركة “الاخوان المسلمين”؟ ومن المسؤول: اردوغان ام بوتين؟

عبد الباري عطوان

عندما يعلن الرئيس السوداني عمر البشير من موسكو، وبعد لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين معارضته لاي مواجهة عسكرية او سياسية بين العرب وايران، وان ما تعانيه المنطقة من ازمات سببه التدخلات الامريكية الاوروبية التي ساهمت في تقسيم السودان، فان هذا يعني حركة تصحيح لانقلابه الثاني الذي فاجأ الكثيرين عندما زج بالسودان في حرب اليمن، وانحاز الى المعسكر الامريكي ومخططاته في تقسيم المنطقة، واعاد البلاد الى موقعها الحقيقي في وسط محور المقاومة مجددا.

الرئيس البشير عاش في متاهة التيه لبضعة سنوات، واعتقد مخطئا ان الولايات المتحدة وحلفاءها العرب يملكون الترياق الشافي لكل مشاكل السودان وازماته، فبالغ في التودد والانحياز الى هذا المعسكر، حتى انه اوحى لمبارك الفاضل، احد ابرز وزراء حكومته، الى التغني بالتطبيع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، وسرد فوائد اقامة العلاقات التجارية والسياسية معها، في موقف شكل صدمة للغالبية العظمى من الشعب السوداني قبل اشقائه العرب.

مواقف الرئيس البشير، زعيم جبهة “الانقاذ” السودانية، جاءت بمثابة “عجلة انقاذ” له ومحاولة التفاف سريعة من قبله على مرحلة كانت نشاز في تاريخه، وتاريخ الشعب السوداني صاحب “اللاءات الثلاث”، الذي يعتبر واحد من اكثر الشعوب العربية والاسلامية انتصارا لقضايا الحق والعدل، خاصة في فلسطين المحتلة.

***

ان تتزامن تصريحات الرئيس البشير هذه المعادية للحرب مع ايران، وتشخيص مآسي الامة العربية وازماتها بربطها بالتدخلات الامريكية، مع تصريحات اكثر قوة وتحديا ادلى بها الامير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، وصف فيها السيد علي خامنئي، المرشد الاعلى، بانه “هتلر” جديد يريد تدمير المنطقة، هذا التزامن في رأينا لم يأت من قبيل الصدفة، ولا هو زلة لسان، ولا نبالغ اذا قلنا ان الرئيس البشير كان يرد متعمدا على حليفه السعودي، ويعلن الطلاق البائن مع حكومته وتحالفها “العربي” وحروبه في اليمن من موسكو.

نقطة اخرى على درجة كبيرة من الاهمية لا نستطيع تجاهلها، وتتلخص في العبارة التي قالها الرئيس البشير، دون اي لبس او غموض، “انه لا سلام في سورية دون بقاء الرئيس بشار الاسد في الحكم”، فالرئيس البشير يتربع على قمة حكومة استمرت شرعيتها واستمرارها من انتماء الحزب السوداني الحاكم الى حركة “الاخوان المسلمين”، وهي الحركة التي لعبت دورا كبيرا في اشعال فتيل الحرب العسكرية في سورية، وجعلت هدف اسقاط النظام السوري على قمة اولوياتها السياسية والعسكرية والايديولوجية.

انها عملية مراجعة ايديولوجية سودانية “اخوانية” تعكس حالة من “الصحة” تعيد تصحيح سياسة استمرت سبع سنوات هي عمر الازمة السورية، ولا نستبعد ان تكون مقدمة، او جزء من عملية تصحيح شاملة في “الحركة الام”، انطلقت من اسطنبول على ايدي الرئيس رجب طيب اردوغان، عراب “الاسلام السياسي” في صورته الاخوانية الحديثة، وبدأت اصداؤها تنعكس في تغيرات متسارعة في حزب النهضة التونسي، وحركة الاصلاح اليمنية، و”حماس″ الفلسطينية.

الرئيس اردوغان فاجأ الكثيرون عندما صرح للصحافيين الذين كانوا على متن طائرته في طريق عودته الى انقرة، في ختام قمة سوتشي الاستراتيجية الثلاثية التي جمعته مع نظيريه الروسي والايراني، واكد انه لا يعارض فتح حوار مع الحكومة السورية في دمشق، ولعل هذه الرسالة الواضحة في مفرداتها وتوقيتها، وصلت الى الرئيس البشير، مثلما وصلت الى الكثيرين في صفوف التيار الاخواني، وتعطي اشارة بحتمية التغيير والانتقال الى مرحلة جديدة عنوانها توجيه مؤشر البوصلة الى موسكو، والى الزعامة العالمية الجديدة للرئيس بوتين بضرورة التصدي لهذا المشروع وحلفائه بان “فرض عين” وليس مجرد شعارات جوفاء.

***

المحور الامريكي الاسرائيلي في المنطقة العربية يتضعضع، وبدأت حجارته تنهار الواحدة تلو الاخرى، في السودان ولبنان والعراق وسورية واليمن، ونحمد الله ان شهر عسله لم يطل، وان كانت خسائرة كبيرة لا يمكن انكارها، ولكن من يضحك اخيرا يضحك كثيرا.

اهلا بالرئيس البشير عائدا الى خندقه الطبيعي، الاكثر وطنية وشرفا وكرامة، ونأمل ان تكون توبته هذه نصوح تغسل ادران “مغامرته” التي نقلته الى خندق آخر لا يليق به وبالسودان وشعبه، ونأمل ان تتوازى مع ثورة اصلاحية جديدة في الداخل السوداني، تقضي على الفساد، وتطلق الحريات، وتعيد الوحدة الوطنية السودانية الى ذروة تماسكها.

كلمة الفصل في رأينا ستكون موقف السودان في حرب اليمن، والبقاء في التحالف العربي الذي ضل الطريق اليه من عدمه، ولكننا نؤمن بأن المقدمات الصحيحة تؤدي الى النتائج الاصح، وهذا ينطبق في رأينا على تصريحاته في موسكو.

انسحاب القوات السودانية من حرب اليمن بات وشيكا، ان لم يكن قد بدأ فعلا.. والايام بيننا.