ثلاثة شروط أساسية لا بد من توفرها لنجاح حملة الفساد في السعودية.. وهذه قصة مساهمتي في توفير المليارات للشعب السعودي في صفقة أسلحة جرى تضخيم عمولاتها وانشرها للمرة الاولى

عبد الباري عطوان

احتلت مسألة اعتقال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، عددا كبيرا من أبناء عمومته من امراء الصف الأول تحت عنوان مكافحة الفساد، مكانة بارزة في الاعلامين العربي والدولي، وشكلت “زلزالا” غير مسبوق، بكل ما تعنيه الكلمة، تجاوزت ارتداداته حدود المملكة العربية السعودية الى دول الجوار وما عداها، حتى ان احد الكتاب المصريين حرض على تكرار النموذج نفسه في بلاده، واجراء حملة اعتقالات واسعة في صفوف “حيتان” رجال الاعمال الذين نهبوا ثروات الشعب المصري الفقير الكادح.

من الصعب علينا التنبؤ بالنتائج النهائية لهذه الحملة، والجزم بقانونيتها من عدمه، سواء من حيث النوايا او التنفيذ، ولكن ما يتم تداوله من تسريبات يفيد بأن هناك مفاوضات تجري خلف اسوار فندق “الريتز كارلتون” افخم سجن في التاريخ، بين محققين سعوديين وامراء ورجال الاعمال المعتقلين، نجحت في تنازل بعضهم عن سبعين في المئة من ثرواته، ويتردد أيضا ان “تسويات” جرى التوصل اليها في السر مع آخرين لم ينضموا الى قائمة الاعتقال.

***

الفساد في المملكة العربية السعودية حقيقة اسطورية لا تحتاج الى اثبات، فمعظم الامراء الكبار ورجال الاعمال كونوا امبراطورياتهم الملياردية هذه من خلال الولوج عبر ابوابه ونوافذه، حتى ان الأمير بندر بن سلطان، السفير ورئيس المجلس الأمني القومي الأسبق، قال في برنامج تلفزيوني امريكي عندما سئل عنه، بأنه ماذا سيحصل في بلد غني مثل المملكة تصل عوائدها السنوية من النفط 400 مليار دولار لو “ضاعت” 150 مليار دولار في صفقات الفساد”.

اذكر انه عندما كانت المملكة تتفاوض لشراء صفقة طائرات “اليورو فاتير” البريطانية على غرار نظيرتها صفقة “اليمامة”، اشتكى توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني في حينها، من رفع “السماسرة” لسعر الطائرة بأكثر من 10 مليون دولار تقريبا لكل واحدة، حتى تزداد نسبة عمولتهم، ومن يقفون خلفهم، وقال انه لا يريد تكرار “مأساة” عمولات صفقة “اليمامة” وما الحقته من ضرر بالحكومة البريطانية، وصناعة سلاحها، وجرى التوصل الى طريقة “جهنمية”، تلخصت في ضرورة اطلاع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز على جشع السماسرة وواجهاتهم من الامراء، والضغط  الذي يمارسونه لرفع الأسعار، وكانت الخطة تتلخص في تسريب خبر في هذا المضار بالوقائع كاملة، لنشرها في صحيفة كنت اترأس تحريرها، وتقف في الخندق المعارض للمملكة.

احد السعوديين الوطنيين الشرفاء دعاني الى فنجان قهوة في مكان متواضع في لندن، وابلغني بالتفاصيل، وقال انها مهمة وطنية يجب ان نتعاون فيها لوقف محاولة لسلب مليارات الدولارات من أموال الشعب السعودي، ولم اتردد لحظة في نشر الخبر وبعض التفاصيل، والخبر موجود وموثق في أرشيف صحيفتي السابقة.

العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله الذي كان بيني وبينه احتراما متبادلا وعن بعد على ما اعتقد، قرأ الخبر واشتاط غضبا، وامر بفتح تحقيق عاجل، ومعاقبة الفاسدين، ولا اعرف ما اذا كانوا قد عوقبوا ام لا، ولكن ما اعرفه ان المملكة العربية السعودية وقعت يوم الاثنين 17 ايلول (سبتمبر) عام 2007، أي قبل ثلاثة أيام من قيام العاهل السعودي بزيارة رسمية للندن، صفقة بأكثر من ثمانية مليارات دولار، لشراء 72 طائرة من طراز “يورو فايتر”، وبيعت الطائرة الواحدة بالسعر نفسه الذي بيعت فيه الى سلاح الجو البريطاني.

***

ربما ينجح الأمير بن سلمان في “نزع″ مئة او مئتي او حتى أربعة مليارات دولار من أموال الامراء ورجال الاعمال المعتقلين الذين لم يحظوا الا بالقليل جدا من التعاطف من أبناء الشعب السعودي لاسباب يطول شرحها، وان كنا نشك في حجم التوقعات والأرقام في هذا المضمار، لأننا نعلم جيدا ان معظم هؤلاء اودعوا معظم أموالهم في أصول واستثمارات خارج المملكة، وبأسماء شركات يترأسها مقربون او من افراد عوائلهم، ولكن أي حرب على الفساد حتى تعطي ثمارها يجب ان تتوفر فيها عدة شروط:

  • الأول: ان تكون شفافة، وغير انتقائية، ولا تنطلق من اعتبارات ثأرية.

  • الثاني: ان تتم المحاسبة ونزع الأموال والأصول في اطار القانون، ومحاكمات عادلة.

  • الثالث: ان تؤدي الى اجتثاث كل بؤر الفساد في اطار عملية مستمرة ومقننة، وفي اطار إصلاحات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وقانونية، ورقابة برلمانية شعبية، وصحافة حرة.

لا نريد ان نطلق احكاما متسرعة، فالتفاصيل نادرة، وما هو منشور او متداول من معلومات لا يخرج عن اطار التكهنات، ولكن حملة الاعتقالات خطوة محفوفة بالمخاطر، لانها اتبعت أسلوب “الصدمة” والعجالة، وترافقت مع مرحلة تطور “انقلابية”  الطابع، في مملكة كانت معروفة بأنها من اكثر الممالك محافظة وتكتما وبطئا في اتخاذ القرار.

المملكة العربية السعودية تستعجل التغيير، وتندفع في “مغامرات” بعضها “غير محسوب” بدقة وعناية، وتخوض حروبا على اكثر من جبهة في الوقت نفسه، وتشعل احداها لتنتقل الى أخرى، ولعل الحرب على الفساد هي احقها، واخطرها اذا اديرت بالشكل الصحيح، ووفق الشروط الانفة الذكر.