لماذا تلخص ابتسامة الاسد وعناقه الحار لبوتين في قمة سوتشي هوية “سورية الجديدة”؟ وكيف نجح الرئيس الروسي في رسم خريطة “الشرق الاوسط” على انقاض امريكا؟ وكيف انتهت المعارضة السورية بعد سبع سنوات تحت خيمة نظام حاربته سبع سنوات؟ وما هي كلمة السر التي غيرت كل المعادلات؟

عبد الباري عطوان

الابتسامة العريضة جدا التي ارتسمت على وجه الرئيس السوري بشار الاسد، اثناء لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي، جنوب غرب روسيا قبل ثلاثة ايام، وجرى كشف النقاب عنها اليوم، تلخص بدقة حاضر سورية ومستقبلها، وتؤكد ان الرئيس السوري باق في السلطة، وربما في وضع اكثر قوة وشرعية.

اختيار انعقاد هذه القمة السورية الروسية بعد استيلاء الجيش العربي السوري على مدينة البوكمال، آخر موقع لقوات “الدولة الاسلامية”، او “داعش”، ينطوي على الكثير من المعاني، ويعكس مناسبة “احتفالية” بنهاية مرحلة، واعادة الاعمار.

فلاديمير بوتين، الرجل الداهية، الذي قاد سفينة الازمة السورية الى هذه النهاية الحاسمة، بالنسبة اليه وحليفه الرئيس الاسد، اثبت قدرات قيادته، ورؤية استراتيجية، حولت خصومه، خاصة في المعسكر الامريكي، الى “هواة”.

الرئيس بوتين ادار الازمة بكفاءة عالية، متبعا سياسة النفس الطويل، ونسج التحالفات الاقليمية والدولية ببراعة فائقة، ولم ينحن مطلقا امام الكبار، ولم يهتم ابدا بالاعيب الصغار، ولم يعر اي اهتمام لنزقهم، وتصريحاتهم الجوفاء، ما اكثر هؤلاء الصغار في الازمة السورية.

***

لم يكن من قبيل الصدفة، ان تنعقد قمة ثانية في سوتشي تضم قادة المحور الثلاثي، الذي انتصر في هذه الازمة، اي الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، والايراني حسن روحاني، الى جانب الرئيس الروسي، فانعقاد هذه القمة غدا الاربعاء لن يكون احتفاليا فقط، وانما لاعادة ترتيب منطقة الشرق الاوسط برمتها، وفق منظورهم، وبعيدا عن اي دور امريكي اوروبي، ولاول مرة منذ اتفاقات سايكس بيكو قبل مئة عام.

المعارضة السورية التي اعتقدت في يوم ما انها كانت على بعد بضعة اقدام من الوصول الى قصر المهاجرين في دمشق، تجتمع ويا للمفارقة، في الرياض، يوم غد الاربعاء ايضا، بحضور منصات للقاهرة وموسكو التي كانت تعترض عليها وتعتبرها عميلة للنظام، الى جانب الهيئة العليا للمفاوضات، ولكن بدون رئيسها رياض حجاب، ولا العديد من قادتها، لان الاول لم توجه له الدعوة اساسا للحضور، ولان آخرين كان شرط حضورهم مرهون بالموافقة على العودة الى سورية تحت مظلة الرئيس الاسد.

لا نريد الخوض في الكثير من التفاصيل، والتوقف عند بعض المماحكات والمواقف، ليس لاننا لم نفعل ذلك منذ بداية الازمة، وانما لاننا ندرك جيدا ان هناك خريطة طريق واحدة معتمدة للازمة السورية، هي تلك التي وضعها الرئيس بوتين وفريقه، بموافقة الثلاثي، السوري الايراني التركي، اما الآخرون فأدوارهم ثانوية جدا، وجرى تركهم يقولون ما شاءوا.

“سورية الجديدة” تنهض من وسط دمار الحرب، لتستعيد دورها الاقليمي القيادي الذي اراد البعض الغائه، وتهميشه، لانها وقفت بصلابة ورجولة في مواجهة المشروع الاسرائيلي الامريكي، وانتصرت عليه بعد تضحيات جسيمة، سورية لم تختر الحرب، ولكنها فرضت عليها من خلال مؤامرة حيكت خيوطها في غرف سوداء، بإدارة امريكية اسرائيلية، تماما مثلما حيكت مؤامرات مماثلة للعراق وليبيا واليمن.

ارادوا تغييب المراكز العربية، والعراق وسورية تحديدا، حتى لا تقوم لهذه الامة قائمة، وتتحول الى “محميات” اسرائيلية، تدار شؤونها من تل ابيب، ولكن ارادة شعوب هذه الدول وقياداتها الحية استطاعت ان تقلب المعادلة فوق رؤوس المتآمرين، وتقطع خطوات متسارعة على طريق التعافي، والعودة الى مركز القيادة في اطار تحالفات، وليس مغامرات، توجه بوصلتها نحو فلسطين، والمشروع الصهيوني، وهنا يكمن الفارق الكبير.

سنترك التحليلات للآخرين، ونكتفي بالقول ان الانجاز الكبير الذي حققه الرئيس بوتين حتى الآن، وادى الى ايصال سورية والعراق، وربما المنطقة الى بر الامان بهوية جديدة غير ملوثة بأي ادران امريكية، هو استقطاب تركيا، ورئيسها اردوغان الى المحور الروسي، وابعادها عن اوروبا، وامريكا، وحلف الناتو، والتأكيد على ان مصالحها مع ايران وسورية وروسيا والعراق، والقاهرة لاحقا، وليس في واشنطن ولندن وباريس وبروكسل.

***

الرئيس بوتين اقنع نظيره التركي، بعد ان تحمل منه الكثير، بأن رحيل الاسد لن يتم اولا، وسيعطي نتائج عكسية على تركيا ووحدتها الجغرافية والبشرية ثانيا، وان احتفاظ تركيا بدور فاعل في سياسات المنطقة، المستقبلية اكثر اهمية وفاعلية من رحيل النظام في دمشق، وتحول سورية الى قاعدة للفوضى والتطرف ثالثا، والورقة الكردية هي الورقة الاخطر على تركيا في المرحلة المقبلة رابعا.

 قمة سوتشي الثلاثية، الروسية التركية الايرانية التي تبدأ اعمالها غدا الاربعاء بقيادة بوتين قد تكون تكرارا لنظيرتها التي انعقدت في يالطا بعد الحرب العالمية الثانية، ورسمت خريطة المنطقة من جديد، صحيح ان الرئيس الاسد لن يكون مشاركا فيها، ولكن مقعده سيكون هناك، وسيكون حاضرا بقوة في كل المناقشات والطروحات لانه شريك اساسي.

قمة سوتشي ثلاثية اليوم، ومن المؤكد انها ستكون رباعية في المرة المقبلة، ونختم بالقول انه من حق الرئيس الاسد ان يبتسم ويضحك بعد سبع سنوات من العبوس، فمن كان يتصور ولو للحظة انه سيبقى في قصره، او حتى على قيد الحياة، عندما ينظر الى حجم وقوة التحالف الذي نسجته امريكا للاطاحة به؟