اذا حذر تيلرسون من نقل الحرب ضد “حزب الله” في لبنان فاستمعوا له.. اسرائيل مترددة وتخشى تلبية نداء السعودية لهذه الاسباب.. واحتجاز الحريري وحد اللبنانيين واضعف الحلف المعادي لـ”حزب الله” في توقيت لم يتوقعه وافسد “الطبخة الترامبية”

 

 

عبد الباري عطوان

عندما يؤكد ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الامريكي على استقلال لبنان، واحترام بلاده للسيد سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان، “المحتجز″ بصفته شريكا قويا لامريكا، ويحذر من تحويل هذا البلد، اي لبنان، الى ميدان للحرب بالانابة، فانه يوجه هذا الكلام الى طرفين اساسيين: الاول، هو القيادة السعودية، والثاني هو نظيرتها الاسرائيلية، وينأى ببلاده عن اي مخططات للتدخل عسكريا في لبنان.

هذا التحذير يتناقض كليا مع موقف الرئيس دونالد ترامب الذي يدعم بلا حدود الامير الامير محمد بن سلمان، رجل السعودية القوي، والمتحكم بكل مراكز القوى الاسياسية فيها، وحملة التصعيد التي يقودها حاليا ضد ايران، ويريد نقل المواجهات الى قاعدتها الرئيسية شرق المتوسط، اي لبنان، حيث يوجد حليفها القوي والفاعل “حزب الله”.

تيرلسون يمثل “المؤسسة” الامريكية الحاكمة صاحبة القرار الاهم في الشؤون الامريكية الاستراتيجية، ولا نعتقد انه يمكن ان يطلق تصريحا كهذا من على ظهر الطائرة التي كان يستقلها في طريقه الى فيتنام، اي انه في عجلة من امره، ولم ينتظر الهبوط على اليابسة، الا لانه يستشعر خطرا وشيكا في لبنان، تتجمع عواصفه بعد استدعاء السيد الحريري، واجباره على الاستقالة، في خطوة متسرعة، وغير مدروسة تبعاتها، سواء على لبنان، او على السعودية نفسها.

***

المملكة العربية السعودية، وبعد ان فوجئت بقدرة التحالف “الحوثي الصالحي” على الصمود عامين ونصف العام في مواجهة “عاصفة حزمها”، ووصول الصواريخ الباليسيتة الى عاصمتها، ودخول الازمة القطرية مرحلة من الجمود، وتراجع احتمالات الحسم، حتى الآن على الاقل، وبقاء الرئيس بشار الاسد على قمة السلطة في قصر المهاجرين في دمشق، قررت نقل المعركة الى لبنان، واعتقدت ان اجبار السيد الحريري على الاستقالة سيؤدي الى خلق نتائج كارثية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وربما الامني ايضا، بما يؤدي الى ثورة اللبنانيين ضد “حزب الله” وتحميله المسؤولية الكبرى، عن كل هذه التبعات، مخالفة بذلك المثل الانجليزي الذي يقول “اذا وقعت في حفرة فان اول شيء يجب ان تفعله هو التوقف عن الحفر”؟

ما حدث هو العكس تماما، فقد تحولت مسألة “احتجاز″  الحريري في الرياض الى قضية اجماع وطني لبناني، وتوجيه سهام النقد، الى المملكة، والاخطر من ذلك ان الصحافة الاجنبية، بمختلف توجهاتها وميولها، انضمت الى الحملة التي تطالب بإطلاقه فورا، وعودته الى لبنان، فالرجل تحول الى “بطل” دون ان يقصد، ولو خاض انتخابات برلمانية غدا سيخرج فائزا بكل المقاعد، الشيعية قبل السُنية، لو كانت هذه الانتخابات تقوم على النموذج النسبي وليس الطائفي.

دوف زكهايم، الذي شغل مناصب رفيعه في وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) في زمن الرئيسين دونالد ريغان وجورج بوش الاب، كتب مقالا في مجلة “الفورين بوليسي” الامريكية قبل ايام، تحدث فيه عن تحالف ثلاثي بين نتنياهو وكوشنر (صهر ترامب)، والامير محمد بن سلمان يزداد قوة، وتبني خطة للتصعيد ضد ايران، واكد ان جاريد كوشنر زار الرياض ثلاث مرات منذ بداية العام، اخرها سرية قبل اسبوعين، وان كل الاحتمالات مطروحة بما في ذلك الحرب، اما دان شابيرو، المستشار السابق للرئيس باراك اوباما، لشؤون الشرق الاوسط، في تل ابيب، فقد كتبت مقالا في النسخة الانكليزية من صحيفة “هآرتس″ قبل بضعة ايام، قال فيه ان هناك خطة سعودية معدة بأحكام لنقل المواجهة الى لبنان، وان الرياض تقدمت بطلب الى اسرائيل لمساعدتها في هذه الخطوة عسكريا، وحذر من قبول هذا الطلب.

اسرائيل لا يمكن ان تخوض حروبا نيابية، او بتحريض من اي احد، وفي التوقيت الذي لا يناسبها، اللهم الا اذا كانت هذه الحرب مضمونة النتائج اولا، وتخدم مصالحها الاستراتيجية، وهذا ما يفسر تخليها عن حليفها مسعود بارزاني في كردستان العراق، عندما استنجد بها لمواجهة القوات العراقية و”الحشد الشعبي” التي اجهضت الاستفتاء وسيطرت على الاقليم بالكامل.

***

لا نجادل مطلقا بأن هناك قلقا اسرائيليا متصاعدا من تنامي قوة “حزب الله”، ومشاركتها للسعودية في الخوف من توسع النفوذ الايراني في دول عديدة في الشرق الاوسط، في لبنان والعراق وسورية واليمن وفلسطين (قطاع غزة)، ولكن القيادة العسكرية التي واجهت الهزيمة مرتين، الاولى عام 2000 عندما انسحبت من طرف واحد من “الحزام الامني”، والثانية في حرب عام 2006، تدرك جيدا ان الحرب الثالثة في لبنان ستكون الاكثر كلفة، وغير مضمونة النتائج، ليس لان هناك 150 الف صاروخ في ترسانة “حزب الله”، وانما ايضا لان الجيش اللبناني يقف في خندقه بفضل الرئيس ميشيل عون الذي غير المعادلات السياسية والعسكرية بتحالفه مع السيد حزب الله، وتوحد معظم ابناء الطائفتين السنية والمسيحية، خلف الرئيس اللبناني و”حزب الله”، في مواجهة اي محاولة لهز استقرار البلاد، او اغراقها في حروب.

السيد الحريري ومصيره، تحولا الى قضية دولية، وربما يتم طرحها على مجلس الامن قريبا، ولا نستبعد استعادته لحرية اكبر من الحركة والتنقل، والعودة الى لبنان كبطل يُحمل على الاكتاف والاعناق، كرئيس لمعظم اللبنانيين، ان لم يكن كلهم، وبما يعزز تحالفه مع “حزب الله”، والرئيس ميشال عون وتياره الوطني الحر.. والايام بيننا.