ما هي الخيارات التي وضعتها السعودية امام الحريري ولم يستطع رفضها؟ ولماذا جاء خطاب السيد نصر الله اليوم ميالا للتهدئة وتبديد مخاوف الشارع؟ وهل تحضّر السعودية “عاصفة حزم” جديدة ضد لبنان؟ وهل ستشارك مصر فيها؟

عبد الباري عطوان

الأسئلة التي تتردد على لسان اللبنانيين، كل اللبنانيين، هذه الأيام، وبعد الاستقالة المفاجئة للسيد سعد الحريري، هو عما اذا كانت الحرب على بلدهم وشيكة؟ ومن الذي سيشعل فتيلها؟ وما هي النتائج التي يمكن ان تترتب عليها؟ وكم من الأبرياء سيستشهد فيها؟

هذه الأسئلة، التي تعكس حالة من القلق والخوف مما هو قادم كانت السبب الرئيسي الذي دفع السيد حسن نصر الله، امين عام حزب الله اللبناني، الى المسارعة بالقاء خطاب مساء اليوم (الاحد) لطمأنة اللبنانيين وتهدئة مخاوفهم، مع تجنب في الوقت نفسه أي محاولة لتهييجهم وتعبئتهم سياسيا ونفسيا، مثلما جرت العادة في معظم خطاباته الأخيرة.

السيد رياض سلامه حاكم مصرف لبنان المركزي، سبق السيد نصر الله في اتباع النهج نفسه، أي التهدئة، وتبديد المخاوف، عندما اصدر بيانا يؤكد فيه على استقرار الليرة اللبنانية، وعدم وجود أي أسباب يمكن ان تؤدي الى غير ذلك.

لم ينف السيد نصر الله وجود خطة سعودية للهجوم على لبنان في ظل ما وصفه بأزمة داخلية تعيشها تمثلت في اعتقال العديد من الامراء والوزراء ورجال الاعمال بتهمة الفساد، لكنه شكك في إمكانية تنفيذ هذا الهجوم لانه لا توجد حدود مشتركة بين السعودية ولبنان، الا اذا جاءت القوات السعودية عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستطرد في القول بأن إسرائيل لا يمكن ان تشن حربا على لبنان بطلب سعودي، وانما بطلب امريكي او وفقا لمصالحها.

الترحيب

***

الترحيب الاسرائيلي العلني باستقالة السيد الحريري ربما يعكس تحليلا آخر، وهو ان الامر عندما يتعلق بمواجهة “حزب الله”، ومحاولة القضاء عليه واجتثاثه وجوديا، فان التنسيق ممكن، سواء بشكل مباشر، او عبر المظلة الامريكية المشتركة التي يستظل بها، وحمايتها الطرفان، وعلينا ان نتذكر بأن المملكة ايدت علنا الهجوم الإسرائيلي على “حزب الله” عام 2006، ووجهت اللوم الى الأخير في توفير المبررات له، ودعته لتحمل النتائج.

السيد الحريري استقال بقرار امريكي، وتنفيذ سعودي، وفي تقديرنا انه جرى وضعه امام خيارين لا ثالث لهما، الاستقالة او السجن، مضافا الى ذلك ان خيار العودة الى لبنان كان مستبعدا، فطالما دخل الأراضي السعودية التي يحمل جنسيتها، لن يُسمح له بالمغادرة الا بإذن من الأمير محمد بن سلمان شخصيا، الحاكم الفعلي في البلاد، فهو ليس اهم من الأمير متعب بن عبد الله، الذي جرى ابعاده من قيادة الحرس الوطني، واقتيد الى السجن، او من الأمير الوليد بن طلال، الذي لم تحميه صلة القرابة والدم، او 26 مليارا في ارصدته، من مواجهة المصير نفسه، فما يجري في السعودية حاليا غير مسبوق.

ومن هنا فاننا نعتقد انتظار الرئيس اللبناني ميشيل عون لعودة السيد الحريري الى بيروت حتى يسمع منه عن ظروف استقالته، قبل ان يبث فيها، سيطول جدا، واذا قدر له ان يلتقيه، فربما في العالم الآخر، اللهم الا اذا نجحت “عاصفة الحزم” السعودية التي تتداول حاليا ضد لبنان في تحقيق أهدافها، وتغيير النظام، وعودة السيد الحريري الى بيروت رافعا إشارة النصر الى جانب الأمير محمد بن سلمان، وهذا امر آخر.

لا نستبعد ان نشاهد السيد الحريري ماثلا امام القضاء السعودي ببزة السجن الزرقاء، بتهم الفساد، فلا احد من اللذين تعاطوا مع العطاءات والاعمال في السعودية بريء من هذه التهمة الا ما ندر، حسب قوانين لجنة الفساد، والمشكّلة قبل 24 ساعة برئاسة الأمير محمد بن سلمان، فلا احد حصل على عطاءات او فاز بمناقصات دون تقديم رشاوى، سواء للامراء او للوزراء او كبار المسؤولين، او حتى بعض القضاة، او النسبة الأكبر منهم، والامر لا يحتاج الى الكثير من الذكاء.

لبنان مقدم على عدة حروب، وليس حربا واحدة، حروب اقتصادية، وأخرى امنية، وثالثة عسكرية، ورابعة نفسية، وتجنب السيد نصر الله الحديث عنها، انطلاقا من حكمة التهدئة، لا يجعلنا، وغيرنا، نقفز عن هذه الحقائق، منفردة او مجتمعة، وما يمكن ان نجزم به انها، أي هذه الحروب، لن تكون في مصلحة الطرف، او الأطراف، التي ستشعل فتيلها.

سيدة بريطانية وجهت الي سؤال ظهر اليوم في اعقاب مشاركتي بمحاضرة عن الشرق الاوسط وقضاياه في اطار مهرجان الضفة الجنوبية للندن South Bank Festival، كان على درجة كبيرة من الأهمية، وهو عن الموقف الذي ستتخذه مصر في حال اندلاع الحرب الثالثة في لبنان ضد “حزب الله”، او ايران؟

السؤال كان على درجة كبيرة من الأهمية، واربكني كثيرا، لانني لا املك إجابة قاطعة ورسمية حوله، لان مصر اكدت اكثر من مرة، وعلى لسان كبار المسؤولين فيها بأنها لن ترسل قوات مصرية للقتال خارج أراضيها، لان الجيش المصري للدفاع عن ارض مصر ومصالحها فقط، وما يرجح هذه المسألة عدم موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورغم الضغوط السعودية والاماراتية المشاركة في “عاصفة الحزم” في اليمن، سواء بطائرات او قوات، ولا نعتقد ان الانخراط في حرب ضد حزب الله وايران يخدم المصالح المصرية، ولكن هذا الرفض ربما لا ينطبق على أي حرب يشنها التحالف الرباعي، الذي تشكل مصر عضوا بارزا فيه ضد قطر، لان الظروف والأسباب مختلفة، وليس هذا مكان شرحها.

***

عاصفة “الحزم” السعودية الجديدة ضد “حزب الله” وايران قد تكون في مرحلة “التكوين” او “التأسيس″، واتصالات تجري في هذا الاطار مع اكثر من طرف عربي، وبضغوط أمريكية، مثل الأردن والمغرب، ومصر والسودان، الى جانب نواتها الاصلية، أي السعودية والامارات والبحرين، وربما من السابق لاوانه الحديث عن مواقف تلك الدول وردودها سلبا وايجابا، رغم المغريات المالية الضخمة.

السعودية التي نعرفها اليوم غير السعودية التي عرفناها على مدى 80 عاما، فهل سيكون حظ عاصفة “حزب الله” و”ايران” و”سورية” افضل من نظيرتها في اليمن؟

لدينا شكوك، وليس لدينا إجابات، فالأمور ما زالت في بداياتها، والاسلم هو الانتظار في مثل هذه الحالات، وهو لن يطول في جميع الأحوال.