اردوغان يعلن الحرب رسميا على “الإرهاب” الكردي في سورية والعراق ويؤكد انه لن يستأذن أحدا.. هل عدنا الى أيام عراق صدام حسين؟ وما هو موقف دول الجوار وروسيا وامريكا؟ وكيف سيكون الرد الكردي؟

عبد الباري عطوان

باستعادة القوات العراقية لمدينة القائم، واستكمال القوات السورية سيطرتها الكاملة على مدينة دير الزور، ينتهي زمن دولة “الخلافة الإسلامية” جغرافيا، وتبدأ مرحلة جديدة تتغير فيها المفاهيم والموازين معا، وتنتهي تحالفات “طارئة” لمصلحة احياء تحالفات عسكرية وسياسية قديمة، لمواجهة “إرهاب” قديم متجدد، حسب ادبيات الدول الإقليمية.

الرئيس التركي رجل طيب اردوغان فاجأ الجميع اليوم (الجمعة)، عندما سارع برسم ملامح المرحلة الجديدة وحروبها، بإعلانه في كلمة القاها في مدينة مانيسا، ونقلها التلفزيون “سنستهدف الإرهابيين في سورية والعراق دون اخذ اذن من احد، سنقوم بتدمير كل معاقل الإرهاب”.

الارهاب الذي يقصده الرئيس اردوغان، ويريد تدميره، ليس “إرهاب” الدولة الإسلامية”، ولا “إرهاب” جبهة النصرة، حسب التوصيفات الامريكية، وانما “الإرهاب” الكردي على وجه الخصوص، في شمال غرب سورية، وفي شمال العراق، وجنوب شرق تركيا.

تركيا سليمات ديميريل وقعت اتفاقات مع الرئيس العراقي صدام حسين عام 1995، تسمح لقواتها بالتوغل في كردستان العراق حوالي 15 كيلومترا لمطاردة قوات حزب العمال الكردستاني، وضرب قواعده بالطيران دون رحمه، والآن يريد الرئيس اردوغان ان يقوم بالمهام نفسها دون تجديد هذه الاتفاقات، او استبدالها بأخرى، وهو متيقن بأنه لن يجد أي معارضة من الحكومتين السورية والعراقية.

***

الجديد في هذا المضمار ان الرئيس التركي يريد توسيع هذه الاتفاقات وشقها العراقي التي من المفترض ان تجدد سنويا، من طرف واحد، بحيث تشمل شمال سورية، التي يعتبرها الرئيس اردوغان امتدادا عسكريا لحزب العمال الكردستاني، وذراعه العسكري في سورية، وهذا ما يفسر اعتراضه على وجود ممثلين عنها في مؤتمر سوتشي للشعوب السورية، التي دعت لانعقاده الحكومة الروسية يوم 18 من الشهر الحالي، بحضور 33 فصيلا وتكتلا وحزبا.

أخطر ما قاله الرئيس اردوغان في الخطاب المذكور آنفا قوله “نعتبر كل من يقف الى جانب الارهابيين إرهابيا”، وهذا يعني قصف “الحواضن” الكردية المدنية لاي ميليشيا كردية تصنفها تركيا على قائمة ارهابها، وترى فيها خطرا على امنها، وخاصة في شمال سورية والعراق.

لا نعتقد ان الرئيس التركي يطلق هذه التصريحات، ويتبنى هذه المواقف، دون التنسيق المسبق مع الجانبين، السوري والعراقي، او تيقنه من دعمهما، الى جانب ايران، في هذه الحرب التركية الكردية، المرشحة للاتساع، قد يشتعل فتيلها في أي يوم من الأيام المقبلة.

الرئيس اردوغان يريد ان يستثمر النكسة التي تعرض لها الاكراد في شمال العراق بعد استفتاء الانفصال، وسيطرة القوات العراقية على المعابر الحدودية مع تركيا بعد احكام سيطرتها على كركوك وسنجار، وتملك تركيا ثلاث قواعد عسكرية في غيريلوك 40 كيلومترا، شمال العمادية، وكانيماس 115 كيلومترا شمال دهوك، وسيرسي 30 كيلومترا شمال زاخو على الحدود التركية العراقية، الى جانب قاعدة بعشيقة قرب الموصل التي يتواجد فيها اكثر من الف جندي تركي بعتادهم الثقيل، وهذه القواعد ربما تتحول الى نقطة انطلاق لاي حرب قادمة يخوضها الرئيس اردوغان ضد ما يسميه بالإرهاب الكردي.

***

نحن بانتظار ردود الفعل السورية والعراقية الرسمية على تصريحات الرئيس اردوغان هذه، ولكننا نستطيع ان نتكهن بأننا امام معادلات سياسية وعسكرية جديدة، قد تُولّد تحالفات جديدة، ولكن الصمت قد يكون من علامات الرضا، او تجنب اتخاذ مواقف قبل ان يهدأ غبار نهاية الحرب على “الدولة الإسلامية”.

والسؤال الأهم الذي ننتظر إجابة عليه هو موقف الولايات المتحدة الامريكية التي اعتمدت الاكراد كحليف استراتيجي لهم، وزودتهم، خاصة قوات سورية الديمقراطية التي سيطرت على مدينة الرقة، بآلاف الاطنان من الأسلحة والمعدات الثقيلة المتطورة، ولم تعر أي اهتمام للمعارضة الاردوغانية الشرسة لهذه الخطوة، فهل ستواصل الإدارة الامريكية دعمها للاكراد وتستخدمهم ورقة ضغط سياسي وعسكري على ايران والعراق وسورية؟ ثم كيف سيكون رد الفعل الروسي؟

الامر المؤكد ان الاكراد، واينما كانوا، سيكونون هم الهدف المقبل، والحرب ضدهم ستملأ فراغ الحرب التي انتهت تقريبا بالقضاء على “دولة الخلافة” بعد اقل من ثلاث سنوات من إعلانها، ويبدو ان السيد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، كان يتوقع هذا السيناريو عندما لمح في خطاب استقالته الى استمرار ارتدائه لزي قوات “البشمرغة”، وعزمه العودة الى الجبال.. والله اعلم.