الفريسة السورية التي “تهاوشت” على صيدها السعودية وقطر ونجت بجلدها.. قراءة في المقابلة التلفزيونية للشيخ حمد بن جاسم وما اذا كانت ادت اغراضها في ارضاء السعودية والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها

عبد الباري عطوان

مقابلات الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس وزراء، وزير خارجية قطر السابق، تثير الاهتمام، وتجذب الكثير من المشاهدين والقراء، سواء كانوا من المواطنين العاديين، او من كبار المسؤولين، لان الرجل يتحدث ببساطة وجراءة وعفوية، ويكشف في كل مرة عن العديد من المعلومات والوقائع، على غير عادة المسؤولين العرب.

في مقابلته الاخيرة التي خص بها تلفزيون دولة قطر الرسمي، (وليس قناة “الجزيرة” التي قال انه كان احد مؤسسيها ويندم على ذلك)، خاض الشيخ بن جاسم في مواضيع عديدة، لشرح موقف بلاده، من ابرزها الموضوع السوري، في محاولة لتبرئة قطر من بعض جوانب خلافها مع السعودية (الشقيقة الكبرى)، وعتابها على انقلابها على الموقف القطري، بعد تنسيق وتحالف تامين بين الجانبين، ولكن هذا العتاب لم يجد آذانا صاغية، كما ان التطورات المتلاحقة في سورية هذه الايام، تأتي في غير مصلحة الطرفين، والدوحة على وجه الخصوص.

الشيخ حمد بن جاسم كشف انه التقى العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز في الرياض، وابلغه بوجود خطة قطرية بالتنسيق مع القوات الامريكية وتركيا بالتدخل في سورية في بداية الازمة، وان الملك عبد الله بارك هذه الخطوة واعطاه الضوء الاخضر، وقال “نحن معكم، انتم سيروا في هذا الموضوع ونحن ننسق، ولكن فلتبقوا انتم مستلمين الموضوع″، ثم “تهاوشنا” على الفريسة “فضاعت منا”.

***

والاهم من ذلك ان الشيح بن جاسم اعترف ان الجميع تورط في سورية، الى درجة دعم جبهة النصرة، وبتنسيق كامل مع القوات الامريكية (وكالة المخابرات المركزية)، التي كانت تشرف على توزيع كل شيء (المال والسلاح)، وعندما اصبحت النصرة غير مقبولة (جرى وضعها على قائمة الارهاب) توقف الدعم لها.

لا نعرف رد السلطات السعودية على هذه المعلومات، مثلما لا نعرف ما اذا كانت وغيرها مما ورد في المقابلة، قد خفف من حدة الخلاف مع قطر، وقرب بين البلدين، ولكن ما نعرفه ان هذا الكشف نزل بردا وسلاما على قلب الحكومة السورية ومؤيديها الذين دعموها طوال السنوات الماضية، وما يؤكد وجهة نظرها التي تبنتها منذ بداية الازمة، وتؤكد ان هناك مؤامرة خارجية بزعامة الولايات المتحدة لتغيير النظام في دمشق خدمة لمشروع التفتيت والتقسيم.

سورية كانت “فريسة” فعلا، تقاتل على “جلدها” الصياديون من اكثر من ستين دولة، انضموا تحت منظومة “اصدقاء سورية” بزعامة امريكا، وكان دور السعودية وقطر محصورا في التمويل والتسليح، اما دول عربية  اخرى فلم يزد عن دور “المحلل”، او شاهد الزور.

“التهاوش” لم يكن سبب فرار “الفريسة” من الشباك السعودية القطرية، وان كان، فإنه سبب هامشي، وليعذرنا الاشقاء السوريين على تكرار استخدام توصيف “الفريسة” غير المحبب، فناقل الكفر ليس بكافر، اما الاسباب الاساسية فهي صمود النظام، وعدم انهيار مؤسساته، ابرزها المؤسستان الامنية والعسكرية، ووجود حاضنة شعبية، كبرت او صغرت، كانت تلتف حولهما وقيادتهما في دمشق، حتى في اصعب الاوقات واكثرها حراجة، وفي ظل ضخ اعلامي استخدمت فيه امبراطوريات ومؤسسات عظمى تملك ميزانيات بالمليارات، وتغيب كامل للاعلام السوري (جرى حظره وحذفه من الاقمار الصناعية العربية، وعرب سات تحديدا بقرار من الجامعة العربية، ووزراء اعلامها)، رغم ان هناك مآخذ كثيرة على هذا الاعلام وحرفيته.

الشيخ حمد بن جاسم اعاد الكثيرين الى الوراء سبع سنوات، وبالتحديد عندما ذهب الى دمشق حاملا عرضا بـ 15 مليار دولار كدفعة اولى مشروطة بإبتعاد سورية عن ايران، وانضمامها الى “محور الاعتدال” العربي، ومن سخربات القدر ان المملكة العربية السعودية التي اطاحت بدولة قطر من مقعد القيادة في الملف السوري، وارجعتها الى المقاعد الخلفية، مثلما اشتكى الشيخ بن جاسم في مقابلة اخرى اكثر تشويقا مع صحيفة “الفايننشال تايمز″، باتت اقرب الى روسيا وبالتالي سورية بطريقة غير مباشرة، وباتت تقبل ببقاء الرئيس بشار الاسد في الحكم، وتتطلع الى حل سلمي للازمة، اما دولة قطر فتواجه حصارا من ابرز اسبابه قربها وعلاقاتها الوثيقة مع ايران.

كثيرون اخطأوا في حق سورية، وكثيرون يتهيأون لارتكاب خطايا اكبر تجاه المنطقة بالتحالف مع امريكا واسرائيل، ضد محور المقاومة، واذا كانوا قد نجوا بأقل الخسائر من الاخطاء الاولى، وفي حق سورية وليبيا والعراق خصوصا، ولو مؤقتا، فلا نعتقد ان الحال سيكون نفسه في المرة الثانية.

***

سوريا تتعافى هذه الايام وبشكل متسارع، وتتقاطر البعثات الدبلوماسية على عاصمتها، وكذلك وفود رجال الاعمال الذين يبحثون عن المال والاستثمار في ظل قرب معركة اعادة الاعمار، ويكفي الاشارة الى ان السيد سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان، ورجل السعودية فيه، والذي كان من ابرز المعارضين للقيادة السورية، ولم يُبق كلمة مشينة والا وجهها لها ورئيسها، السيد الحريري وقع اليوم مرسوما بتعيين سفير لبنان جديد في دمشق، وها هو وفد برلماني اردني كبير يستعد لشد الرحال الى العاصمة السورية، بعد آخر تونسي، و”المسبحة كرّت”، مثلما يقول المثل الشامي.

العلاقة التحالفية “الاستراتيجية” بين قطر وايران، وبين قطر وتركيا، وان كانت الآخيرة بدرحة اقل، هي من اسباب توتر العلاقات بين السعودية ومحورها ودولة قطر، الى جانب اسباب اخرى، وامام قطر خياران، اما ان تقطع هذه العلاقة كليا وتنضم الى السرب السعودي، ولكن في المقاعد الخلفية، او ان تستمر الازمة وتتصاعد وتخترق خطوطا قانية الاحمرار.

تفسيرات وتوضيحات و”مرونات” الشيخ بن جاسم تظل محدودة التأثير في نفس الجار السعودي، ومن الصعب ان تستميل قلبه “المتحجر”، لانها تتحدث عن الماضي، ولا تقترب من مطالب المستقبل، وسواء كانت مقبولة او مرفوضة، ومن يحكم السعودية اليوم غير الذي كان يحكمها طوال السنوات الخمسين الماضية، ولا بد ان الشيخ بن جاسم، الذي نعترف له بالذكاء، يدرك هذه الحقيقة جيدا.