الأردن ينتقل من مرحلة التغييب والتهميش الى مرحلة الاستهداف الأخطر.. من الذي فرض عليه هذه الحالة وكيف سيتم الخروج منها؟ ولماذا لا يشارك المواطن في القرار بفاعلية مثلما شارك في تحمل الأعباء الاقتصادية مرغما؟ وما هي خيارات المرحلة المقبلة؟

عبد الباري عطوان

اكد لي مسؤول اردني كبير التقيته في لندن الصيف الماضي، ان اكثر ما يقلق الاردن هو انقلاب إسرائيل ضده وانتهاء دوره كـ”وسيط” بين إسرائيل والدول الخليجية، لان هذا يعني تجاوزه سياسيا واقتصاديا، وتهميش نفوذه واضعافه.

هناك عدة أسباب رئيسية تؤكد هذه المخاوف الأردنية، وقرب انتهاء هذا الدور الأردني فعلا، وغياب كل البدائل الممكنة لتعويضه، الى جانب بدء خطة إسرائيلية لاستهدافه.

  • الأول: ما يتردد من أنباء عن قيام الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، بزيارة الى تل ابيب على رأس وفد سعودي امني واقتصادي وعسكري كبير، وقد اكدت وكالة الانباء الفرنسية نقلا عن مسؤول إسرائيلي حدوث هذه الزيارة، وتأخر النفي الرسمي لها.

  • الثاني: الترتيب لانعقاد مؤتمر لرؤساء هيئة اركان جيوش الأردن، السعودية، الامارات، مصر، في واشنطن في اليومين القادمين، بدعوة من رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية، لبحث القضايا الأمنية والعسكرية المشتركة، وسيشارك غادي ايزنكوت رئيس هيئة اركان الجيش الإسرائيلي في هذا المؤتمر للمرة الأولى بعد ان تلقى دعوة أمريكية دون أي اعتراض من قبل “زملائه” العرب، وهذا يعني الانتقال من التطبيع السياسي السري الى التنسيق العسكري والأمني العلني.

  • الثالث: استضافة تل ابيب لمؤتمر الـ”المعارضة” الأردنية، لبحث كيفية تحويل الأردن الى وطن بديل للفلسطينيين، بدعم من حزب الليكود الإسرائيلي الحاكم.

  • الرابع: عدم تقديم حارس السفارة الإسرائيلية في عمان الى المحاكمة بتهمة قتل مواطنين أردنيين اثنين، وعدم اعتذار بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي للاردن عن استقباله فور تهريبه بعد ساعات من تنفيذ الجريمة.

***

ما يقلقنا والكثير من الأردنيين والعرب، ان عمليات التغييب للاردن عن الساحتين الإقليمية والدولية، تمر دون ردود فعل تعكس قلقا حقيقيا في أوساط النخبة الحاكمة، تتوازى مع اجراء مراجعات علمية موضوعية لكل السياسيات والمواقف التي أدت الى هذه المحصلة.

كاتب اردني كبير معروف بصلاته مع اركان الدولة الأردنية، لخص هذه الحالة بدقة عندما قال بالحرف الواحد “انتقلنا من مرحلة التغييب والتهميش الى مرحلة الاستهداف حيث ان الجميع انقلب علينا”، وأضاف “في قضية جنوب سورية على سبيل المثال لا احد يتشاور معنا، وقرار فتح معبر نصيب الأردني السوري لم يعد في أيدينا.. حتى الإسرائيليين لم يعودوا ينسقون معنا، باتوا ينسقون مع الروس″.

الرهان الأردني على المساعدات الخارجية، والخليجية منها بالذات، ثبت انه رهان ليس خاسرا فقط، وانما رهانا مهينا أيضا، وأرقام المساعدات الامريكية مضللة، صحيح ان أمريكا تقدم للاردن مليار دولار سنويا، ولكن الصحيح أيضا ان 700 مليون دولار منها مساعدات عسكرية، تستفيد منها الشركات الامريكية ومنتوجاتها بالدرجة الأولى، وتحضّر الجيش الأردني لخوض حروب أمريكا في المنطقة.

لا دور للاردن في حرب اليمن، ولا في تطورات الازمة الكردية، ومبعد كليا عن موضوع المصالحة الفلسطينية، ومغيب كليا عن الازمة الخليجية، ودوره في الحرب ضد الإرهاب و”الدولة الإسلامية” انتهى بسقوط الرقة والموصل، وباتت الورقة الكردية اكثر أهمية بالنسبة الى أمريكا ودول الخليج وإسرائيل من الورقة الأردنية في معادلات القوة الجديدة.

وزير اردني كان يشغل حقيبة سيادية قال لي “الأردن فقد إمكانيات المناورة السياسية، وغياب طبقة من رجالات الدولة الخبراء الذين يحتاجهم في هذه الظروف الصعبة بات واضحا.. الأردن مقصر في حق نفسه، وبات مستسلما لقدره”.

المنعطف الأصعب الذي يواجهه الأردن في نظر الكثير من أبنائه الشرفاء يتمثل في الاحتقان الشعبي، الناجم عن الغلاء الفاحش، وقرار الدولة تحميل الشارع مسؤولية تسديد الازمات والعجوزات المالية، وارتفاع الدين العام (36 مليار دولار) وفوائده السنوية التي تزيد عن ملياري دولار، ضاعف من هذا الاحتقان بحيث بات على وشك الانفجار.

هذا الاحتقان الشعبي بدأ ينعكس حملات نقد شرسة تخترق كل الخطوط الحمر على سائط التواصل الاجتماعي، وبدلا من ان تلتفت الحكومة الى أسباب هذا الاحتقان وكيفية تنفيسه بسياسات فعاله، تدرس اصدار قوانين تجرم هؤلاء المنتقدين وتزج بهم في السجون.

الأردن يحتاج الى مراجعات مكثفة لكل فصول المرحلة السابقة، تجريها او تشارك فيها مختلف عقوله المبدعة القديمة، والجديدة الشابة، لرسم سياسات جديدة تتناغم مع تطورات المنطقة، وتجد الحلول للازمات الداخلية، وابرز الركائز في هذا المضمار في رأينا اشراك المواطن أيضا، مكافأة له على تحمل الأعباء والارتقاء الى مستوى المسؤولية الوطنية في وقت هرب منها الكثيرون من قططه السمان، والاشقاء العرب “المزورين” الذين اغرقوه في الوعود الكاذبة.. الاساليب القديمة لم تعد تصلح.. وكنس القضايا المهمة تحت سجاد الإهمال لم يعد مجديا.

بعد هزيمة “الدولة الإسلامية”، وانهيار دولتها وخلافتها في العراق والشام، وتزايد احتمالات نزولها تحت الأرض، وتبني الاعمال الإرهابية الانتقامية وتصعيدها، جعل المنطقة تقف امام مرحلة جديدة، مرحلة الصراع الأمريكي الروسي على ارضها، ونقل الحروب الى جبهات اخرى.. فما هو دور الأردن؟ وما هي انعكاسات هذه السياسات عليه وامنه الداخلي؟ وأين يقف في ظل التحالفات الإقليمية والدولية التي تتبلور حاليا بشكل متسارع؟

***

العدو الأكبر للاردن، والخطر الرئيسي عليه هو العدو الإسرائيلي، الذي يريد تحويله الى وطن بديل، ويلغي هويته الحالية، ولا بد من تبني سياسات ومواقف حقيقية لمواجهته، فليس لدى الأردن الكثير الذي يمكن ان يخسره، وفليس امامه من خيارات غير المواجهة بأشكالها كافة، واستعادة دوره ومكانته، فها هو اليمن المعدم الجائع، الذي يحتل القائمة الأخيرة لافقر دول العالم، يقاتل بشجاعة ورجولة، ونشامى الأردن يستطيعون تغيير الكثير من المعادلات اذا جرى اعطاؤهم الفرصة.

نستغرب استمرار الأردن في البقاء في خندق حلفاء خذلوه، وجوعوه، وتخلوا عنه، وتجاوزوا دوره، وتنكروا له، واعتقدوا انه استسلم لهذا الوضع لانعدام خياراته.. الأردن يملك خيارات كثيرة، ويستطيع ان يقلب الطاولة على الجميع اذا أراد.. ولكن السؤال متى يتحرك هذا المارد ويخرج من القمقم الذي ارتضاه لنفسه، او ارتضاه الآخرون له.

نكتفي بهذا القدر.. لكن نحذر من ان القادم خطير جدا.