هل تنجح مهمة تيرلسون في الرياض والدوحة في تحقيق ما عجزت عنه زيارة امير الكويت الخاطفة؟ ولماذا كان استقبال الأخير “فاترا” في الرياض واجتماعه مع العاهل السعودي لم يزد عن عشرين دقيقة؟ ولماذا غاب الأمير محمد بن سلمان عنه؟

عبد الباري عطوان

عادت الازمة الخليجية تحتل مكانة بارزة في الحراك السياسي العربي والدولي بعد فترة من الهدوء يعتبرها البعض تسبق العاصفة، فها هو ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي، يجرب حظه للمرة الثانية لايجاد مخارج وحلول لها بزيارته الرياض اليوم (الجمعة) وبعدها الدوحة، مقتفيا اثر الشيخ صباح الأحمد، امير دولة الكويت، الذي زار العاصمة السعودية للغرض نفسه الاثنين الماضي.

الدول الأربع المقاطِعة لدولة قطر لا تكن الكثير من الود للوزير تيلرسون، ولا تثق بوساطته، وتعتبره منحازا لغريمهم القطري، خاصة بعد توقيعه اتفاقا مع الأخيرة اثناء زيارته الأولى قبل شهرين لمكافحة الارهاب، الامر جرى اعتباره تبرئة ساحتها من تهم في هذا المضمار، ومن المؤكد ان حالة انعدام الثقة فيه، أي الوزير تيلرسون، وعدم الارتياح لمهمته الجديدة، ستزداد حدة بعد تصريحاته التي ادلى بها امس ووجه فيها “انتقادات حادة” للدول الأربع، وتوجيه اللوم لها باستمرار الازمة، عندما قال “يبدو ان هناك غيابا فعليا لاي رغبة في الدخول في حوار من بعض الأطراف المعنية”، مضيفا “يعود الامر الى قادة الرباعي ومتى يريدون الدخول في حوار مع قطر، لان هذا البلد عبر عن رغبته في الحوار”.

زيارة تيلرسون لكل من الرياض والدوحة لم تكن مدرجة على جدول اعمال جولته الحالية التي كانت ستشمل باكستان والهند، واضيفت في اللحظة الأخيرة، مما يعني ان امرار طارئا حتم هذه الإضافة، ومن غير المستبعد ان تكون الكويت لعبت دورا في هذا التحول، إدراكا منها واميرها لخطورة الموقف، وربما استشعاره بوجود “ترتيبات” من قبل السلطات السعودية وحلفائها الثلاثة ضد قطر في المرحلة المقبلة، الم يقل في مؤتمره الصحافي الذي عقده في واشنطن على هامش زيارته الرسمية لها، ان وساطته منعت تدخلا عسكريا في قطر، فهل هناك “نوايا” توحي بإحياء احتمال هذا التدخل في المرحلة المقبلة؟

***

معظم التسريبات تؤكد ان زيارة الشيخ صباح الأحمد الخاطفة للرياض يوم الاثنين الماضي لم تحقق أي من أهدافها في التوصل الى الحد الأدنى من التوافق الخليجي بما يسمح بانعقاد القمة الخليجية في شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل في الكويت في موعدها وبحضور كل الدول الأعضاء، ومنع حدوث انقسام في في مجلس التعاون.

مصادر خليجية موثوقة اكدت ان اللقاء بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وضيفه الكويتي لم يستغرق الا 20 دقيقة فقط، واتسم بالفتور، وعكس حالة من “العتب” السعودي تجاه الكويت، وسياستها “الحيادية” في الازمة، لعدم اصطفافها خلف الدولة المقاطعة لدولة قطر، والوقوف في الخندق السعودي التي تقودها.

لوحظ أيضا، والحديث للمصادر نفسها، ان العاهل السعودي لم يكن في استقبال الأمير الكويتي في مطار الرياض، ولا ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وجرى ايكال هذه المهمة الى امير الرياض فيصل بن بندر بن عبد العزيز، مثلما لوحظ أيضا ان الأمير بن سلمان لم يكن ضمن الامراء والمسؤولين الذين حضروا مأدبة الغداء التي أقامها العاهل السعودي على شرف ضيفه الكويتي، وهذه كلها رسائل متعمدة للضيف الكويتي.

السعوديون، ومعهم الدول الثلاث الأخرى (الامارات ومصر والبحرين)، لا يريدون حوارا، وانما استسلاما قطريا كاملا، والقبول بالشروط والتنازلات المطلوبة منهم وتنفيذها، ويعملون في اطار خطة محكمة تهدف الى تغيير النظام في قطر وتشديد الحصار عليه، واستقطاب عناصر من شيوخ الاسرة القطرية الحاكمة لصفها، وحققوا بعض النجاح في هذا الاطار، وكذلك تحريض بعض القبائل القطرية للتمرد، وردت السلطات القطرية بإجراءات “حازمة”، مثل سحب الجنسيات، واعتقال وفرض إقامة جبرية على كل من يشق عصا الطاعة عليها، ولعل سحب الحكومة القطرية 20 مليار دولار من احتياطاتها النقدية لسد بعض العجوزات في ميزانيتها، حسب ما ذكرته صحيفة “الفايننشال تايمز″ مؤشر يجب اخذه في عبن الاعتبار.

الوزير تيلرسون، كان مصيبا عندما اعترف بأنه لا يتوقع حلا سريعا للازمة، ولا نعتقد انه سيجد استقبالا،  او تجاوبا افضل، من ذلك الذي حظى به امير الكويت في الرياض، لان حالة “الغضب” السعودية منه وسياسات بلاده في المنطقة، هي التي دفعت بالعاهل السعودي الى زيارة موسكو قبل أسبوعين، وتقديمها على زيارته لواشنطن، وتوقيع عدة اتفاقات عسكرية مع حكومتها من بينها صفقة شراء صواريخ “اس 400″، وأخرى ذات طابع تقني تتعلق ببناء مفاعلات نووية.

***

لن يكون مفاجئا بالنسبة الينا ان تكون زيارة تيلرسون هذه لمنطقة الخليج هي الأخيرة بالنسبة اليه، بسبب تعارض مواقفه مع مواقف رئيسه دونالد ترامب، الذي يفضل حصار قطر، وسحب قاعدة العيديد منها، والوقوف في خندق الدول الأربع في اطار تحالف يساند استراتيجيته الجديدة في التصدي لإيران التي عبر عنها في خطابه الأخير، واعلن فيه عدم تصديقه على الاتفاق النووي.

عدم زيارة امير الكويت لقطر بعد زيارته السعودية، وايفاده الشيخ صباح الخالد الصباح، وزير الخارجية، حاملا رسالة منه الى الشيخ تميم، امير دولة قطر، كلها مؤشرات توحي، بأن جهود الوساطة تراوح مكانها، وفرص الحوار باتت شبه معدومة، او معدومة كليا، والقمة الخليجية المقبلة باتت في مهب الريح، واحتمالات التأجيل، او حتى الإلغاء، باتت الأكثر ترجيحا، والأيام والاسابيع المقبلة قد تشهد العديد من المفاجآت.. والله اعلم.