البارزاني اتهم “الطالبانيين” بـ”الخيانة” دون ان يسميهم في اول اطلالة له بعد خسارة كركوك.. تحدث عن كل شيء باستثناء الاستقالة وتحمل المسؤولية.. لماذا خرج الجنرال سليماني هو الفائز الأكبر؟ وهل بدأت عملية تقسيم كردستان الى اقليمين بدلا من تقسيم العراق؟

عبد الباري عطوان

تابعنا، مثل غيرنا، المؤتمر الصحافي الأول الذي عقده السيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، منذ اجراء “الاستفتاء” على استقلال الإقليم، وسيطرة القوات العراقية والحشد الشعبي على مدينة كركوك وآبار نفطها ومطارها وقاعدتها العسكرية، وانتظرنا ان يعلن تحمله مسؤولية كل النتائج المترتبة على هذه “المقامرة”، وإعلان استقالته من الرئاسة، وربما من الحياة السياسية، وتسليمه الراية لمن يستحقها من قيادات حزبه، ولكنه لم يفعل.

السيد البارزاني اتهم أطرافا سياسية داخلية بإتخاذ قرار انسحاب قوات “البشمرغة” من كركوك، بما سمح للقوات العراقية الاتحادية بالسيطرة عليها، واكد ان الشعب الكردي سيحقق أهدافه المقدسة قريبا او بعيدا، واليوم هو احوج الى توحيد الصفوف والاستمرار في الدفاع عن هويته وحقوقه.

من الواضح، ان السيد البارزاني، كان يوجه هذه الاتهامات الى حزب الاتحاد الوطني “الطالباني”، شريكه في الإقليم، الامر الذي قد يحدث شرخا كبيرا في العلاقات بينهما، وحدوث “طلاق بائن” من الصعب إصلاحه، وإعادة العلاقات بين الطرفين الى صورتها السابقة للاستفتاء.

***

لا نعرف ما هي الحسابات التي استند اليها السيد البارزاني في ضرورة حدوث المواجهة العسكرية، وتصدي قوات البشمرغة للقوات الاتحادية العراقية التي كانت تتقدم نحو كركوك مدعومة بالحشد الشعبي، لكن ما يمكن ان نعرفه، ومن خلال قراءة متأنية لموازين القوى الإقليمية والدولية، ان نتائجها لو حدثت قد لا تكون في صالح “البشمرغة” والاكراد عموما، في ظل عدم وجود غطاء جوي، ودعم امريكي واضح وصريح، ولذلك فإن خطوة الانسحاب هذه للقوات الكردية، ربما تكون حكيمة في نظر الكثيرين لانها قلصت من الخسائر، وحقنت دماء الطرفين، المهاجم والمدافع معا.

إقليم كردستان العراق كان موحدا خلف حكومته حتى يوم اجراء الاستفتاء، ولكنه ومن خلال إصرار السيد البارزاني على المضي فيه، اي الاستفتاء، انقسم الى اقليمين، احداهما في السليمانية، والثاني في أربيل، واحتمالات الحرب الاهلية بين الشطرين باتت واردة، بل شبه مؤكدة، في ظل الاتهامات المتبادلة بالخيانة، والطعن في الظهر.

مشكلة السيد البارزاني الأساسية لم تعد مع الخارج، والحكومة المركزية، او مع الإيرانيين والاتراك، وانما مع الداخل الكردي، سواء ذلك الموالي لحزب الاتحاد الوطني “الطالباني”، او انصار الحزب الديمقراطي “البارزاني”، الى جانب تكتل أحزاب وتجمعات المستقلين.

القيادات الكردية، ولا نقول الشعب الكردي، لا تتعلم من دورس التاريخ، بل نشك في انها تقرأ هذا التاريخ في الأساس، لانها تقع في المصيدة نفسها التي يورطهم فيها “حلفاؤهم” الامريكان والإسرائيليون، في اطار الخطة الأبدية التي ابرز ابجدياتها توظيفهم كأداة ضد شعوب دول الجوار، والعرب من بينهم خاصة.

جميع رهانات السيد البارزاني لم تكن في محلها، فقد خذله الجميع، الإسرائيليون، الامريكان، حتى الاصدقاء الاتراك، ولا ننسى خذلان خصومه الاكراد في السليمانية وجوارها، التي تحدث عنها بمرارة في مؤتمره الصحافي.

السيد البارزاني اجرى الاستفتاء وهو يسيطر على كركوك، وآبار نفطها، ومطارها العسكري، علاوة على سنجار وخانقين، الآن خسر جميع هذه المناطق، وبات من المؤكد انه سيخسر الإقليم الجديد المنافس المكون من حلبجة، السليمانية كركوك، لان جيل “الطلبانيين الجدد” سيكون مختلفا كليا عن معلمهم الراحل جلال الطالباني، الذي كان مع الحد الأدنى من التوافق الكردي، وإبقاء العلاقة مع أربيل، وتجنب الوقوف بحزم ضد الاستفتاء، لانه يدرك عواقب هذه المواقف وانعكاساتها على الوحدة الوطنية الكردية.

جلال الطالباني رحل، والسيد البارزاني استغل رحيله لرش الكثير من الملح على الجرح العربي الملتهب، عندما اصر على لف تابوته بالعلم الكردي، وليس العراقي، ناسيا، او متناسيا، انه كان اول رئيس للعراق الفيدرالي الجديد، وهذا تصرف لم يكن حكيما من وجهة نظر الشركاء العرب على الأقل.

لا نفهم أسباب هذا الإصرار على فصم عرى العلاقة مع العرب، وعرب العراق بشيعتهم وسنتهم خاصة، وهم الذين منحوا كردستان العراق دولة شبه مستقلة، لا ينقصها غير اعلان الاستقلال رسميا فقط، تصدر النفط، وتحتضن سفارات اجنبية، وتقيم علاقات خارجية، وتستقبل زعماء العالم في عاصمتها أربيل، وترفع اعلامها، وتعزف نشيدها الوطني، وتقلص دروس تعليم اللغة العربية، لغة القرآن، في مدارسها، وتجعلها اللغة الرابعة او الخامسة في الإقليم.

من خططوا ونفذوا “استفتاء الاستقلال” لم يخططوا لليوم التالي، أي لما قد يحصل بعده، وردود الفعل عليه، ربما نتيجة للثقة الزائدة، والرهان على ضعف الدولة المركزية في بغداد، والدعمين الأمريكي والإسرائيلي المطلقين، والبراغماتية “الاردوغانية” القائمة على المصالح التجارية مع الإقليم، وايا كانت الأسباب والدوافع التي لا نعرفها، والجهات التي تقف خلف كل هذه الرهانات، فإنها كانت في غير محلها، واتت نتائج كارثية على أصحابها.

***

هناك انباء تتحدث عن توقيع اتفاق بين السيد هادي العامري، احد ابرز قادة قوات الحشد الشعبي، والسيد بافيل طالباني، القيادي في حزب الاتحاد الوطني، تحت اشراف الجنرال قاسم سليماني الذي كان يتواجد في الاقليم على امل تأجيل الاستفتاء، ينص على تقسيم كردستان الى اقليمين وبما يؤدي الى تأجيل حق الاكراد بتقرير المصير لعدة سنوات، وربما لعدة عقود قادمة، وربما يكون هذا الاتفاق يقف خلف انسحاب قوات البشمرغة التابعة للسليمانية من بعض مناطق كركوك دون قتال، ومما أدى الى تصاعد الاتهامات بالخيانة.

سيطرة القوات الاتحادية العراقية على كركوك والمناطق الأخرى، الغت الاستفتاء ونتائجه عمليا، وبما يؤدي الى تهيئة الأجواء لبدء الحوار بين ممثلي إقليم كردستان والحكومة العراقية للتوصل الى حلول لجميع المشاكل والخلافات الجديدة منها او القديمة، وإعادة الثقة التي تدهورت، ولو بشكل تدريجي، بين العرب والاكراد على أسس التعايش والمساواة، وفي اطار احترام الفيدرالية والدستور.

الاشقاء الاكراد هم الأقرب للعرب هوية وثقافة، وانتماء، ودورهم في بناء عراق فيدرالي جديد جنبا الى جنب مع اشقائهم العرب والتركمان والآسيويين والازيديين، لاغنى عنه، حتى تعود الهوية العراقية الجامعة الموحدة، ويستعيد العراق مكانته التي يستحقها في المنطقة، ونأمل تجاوز كبوة الاستفتاء هذه في اسرع وقت ممكن.