لماذا تصدت الصواريخ السورية لطائرات إسرائيلية اخترقت الأجواء اللبنانية؟ وهل نحن امام استراتيجية ردع جديدة؟ وكيف سيكون الرد المقبل؟ بصواريخ “اس 400″ وبضوء اخضر روسي؟

عبد الباري عطوان

ان تطلق منظومات الدفاع الجوي السورية صاروخا باتجاه طائرات حربية إسرائيلية، كانت في مهمة استطلاعية في الأجواء اللبنانية، وليس السورية، وتصيب احداها حسب بيان الجيش السوري، وتجبر الاخريات على الهروب، فهذا تطور مهم وغير مسبوق، يعكس احتمال وجود استراتيجية عسكرية جديدة بالتصدي لاي انتهاكات للأجواء اللبنانية والسورية معا.

صحيح ان بيانا اسرائيليا اكد ان طائرات حربية ردت بقصف البطاريات الدفاعية السورية نفسها في موقع عسكري شرق دمشق، ولكن الرد السوري غير المتوقع اربك القيادتين السياسية والعسكرية الاسرائيليتين، ودفعهما الى التأكيد بأنهما لا يريدان التصعيد ويفضلان التهدئة، وسبحان مغير الأحوال.. متى كانت إسرائيل تريد التهدئة؟

بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي لم يعلق مطلقا ولا المتحدثين باسمه، على غارات إسرائيلية سابقة في العمق السوري، عكس القلق الإسرائيلي من هذا الرد السوري المفاجيء، عندما هدد “بضرب كل من يحاول الهجوم على إسرائيل وتهديد امنها”، واكد “ان إسرائيل ستواصل العمل وفق الحاجة في هذا المحيط من اجل حماية امنها”، وتوليه مهمة التهديد هذه، والقيام بها بنفسه وليس عبر وزير حربه، فالهدف من ذلك طمأنة مستوطنيه، وتبديد مخاوفهم.

***

رسالة هذا الصاروخ السوري الى دولة الاحتلال الإسرائيلي واضحة، تقول مفرداتها ان الزمن الذي كانت تتجول فيه الطائرات الإسرائيلية في الاجواء اللبنانية، وتصوّر ما تشاء من الأهداف الأرضية دون ان يعترضها احد قد اوشك على الانقراض، وان الأجواء اللبنانية باتت امتدادا لنظيراتها السورية، واي اختراق لها سيتم التصدي له مهما كانت النتائج.

هذا التحرش الإسرائيلي، والرد السوري الفوري عليه، يعكس قلق القيادة العسكرية الإسرائيلية، ورغبتها في اختبار القدرات الدفاعية السورية، وما اذا كانت تتضمن صواريخ متطورة من طراز “اس 400″ ام لا، مثلما يعكس هذا الرد السوري، في الوقت نفسه، ثقة متزايدة في أوساط القيادة السورية بفعل الانتصارات الميدانية الكبيرة التي حققتها قوات جيشها وحلفاؤها في ميادين القتال، واستعادة حوالي 90 بالمئة من الأراضي السورية، ان لم يكن اكثر.

إسرائيل تعيش حالة من الرعب بسبب هزيمتها وحلفائها في سورية، والتجربة القتالية الهائلة التي اكتسبها الجيش العربي السوري وذراعه اللبناني المتمثل في “حزب الله”، وكان أوضح من عبر عن حالة الرعب والقلق هذه افيغدور ليبرمان، وزير الحرب الإسرائيلي، في حديثه لموقع “واللا” الاخباري قبل اسبوعين، واعترف فيه “ان الأسد انتصر في الحرب”، مشيرا الى “طابور من دول العالم، والسنية المعتدلة خاصة، باتت تطلب وده (أي الأسد)”.

لا يمكن اخذ هذا التصعيد الإسرائيلي، والرد السوري عليه، بمعزل عن الاستراتيجية الامريكية التحريضية ضد ايران التي عبر عنها الرئيس دونالد ترامب في خطابه قبل بضعة أيام، واعلن فيه عن عدم مصادقته على الاتفاق النووي الإيراني، وفرض عقوبات على الحرس الثوري، واتهام السلطات الإيرانية بدعم الإرهاب، وزعزعة استقرار الشرق الأوسط وحلفاء واشنطن فيها.

انها ارهاصات التسخين لحرب باتت وشيكة، حذر منها السيد حسن نصر الله، زعيم “حزب الله”، واتهم نتنياهو بالاعداد لها، فأكثر ما يقلق رئيس الوزراء الإسرائيلي تعافي سورية، واستعادة العراق لقوته، والتواصل الإقليمي بين ايران ولبنان عبر الأراضي السورية والعراقية، وكذلك وجود قوات لحزب الله مدعومة بمستشارين إيرانيين في القنيطرة ودرعا، وبما يعطيها القواعد التي يمكن استخدامها في فتح جبهة الجولان واطلاق صواريخ على اهداف إسرائيلية في عمق فلسطين المحتلة.

التواصل الجغرافي، وامتداد الحزام الإيراني من مزار شريف في أفغانستان الى الضاحية الجنوبية في بيروت على شواطيء المتوسط، يعني تزويد “حزب الله” وبأقصى سرعة ممكنة بكميات ضخمة من الأسلحة والصواريخ والذخائر والمعدات الثقيلة المتطورة.

***

المنطقة تتغير، لان سورية تتغير وتستعيد قواها بشكل متسارع، وبدعم إيراني روسي، وهذا ما تدركه كل من واشنطن وتل ابيب، ويرفع ضغط قيادتيهما بشقيها السياسي والعسكري.

اليوم تطلق الدفاعات الجوية السورية صاروخا من طراز “اس أي 5″ بإتجاه الطائرات الإسرائيلية المغيرة، وتجبرها على الهرب خوفا، ولن نستعبد ان يكون الصاروخ القادم من طراز “اس 400″ الروسي المتطور جدا، لان سورية تدافع عن نفسها وسيادة اجوائها واراضيها، وبضوء اخضر روسي.

السيد حسن نصر الله، وفي خطابه الأخير تنبأ بالحرب، وحمل نتنياهو مسؤولية اشعالها، وطالب اليهود مغادرة فلسطين المحتلة، والعودة الى البلاد التي جاءوا منها لانهم سيكونون وقودها، وربما لن يجدو الوقت والفرصة للنجاة بجلدهم، في حال اشتعالها من قبل نتنياهو المأزوم، وكأنه يذّكر بمئة الف صاروخ في ترسانته وأربعة اضعافها في الترسانتين السورية والإيرانية.

الحرب المقبلة، لن تكون كغيرها من الحروب السابقة، فهناك عرب ومسلمون باتوا يملكون القدرة على الردع والصمود، وجربتهم إسرائيل في ثلاث حروب على الأقل، ولم تربح أي منها، لان خصمها لم يكن نظاما عربيا فاسدا يضع كل بيضه في سلة أمريكا المثقوبة.

اجاك من يعرفك يا بلوط.. وفهمكم كفاية.