لماذا يؤزم ترامب علاقات بلاده مع ايران وتركيا دفعة واحدة؟ وهل سيوجه الحرس الثوري الإيراني “ردا ساحقا” على القواعد الامريكية في الخليج؟ وما مدى جدية تحذيرات السيناتور كروكر من حرب عالمية ثالثة وشيكة؟

عبد الباري عطوان

لا نعتقد ان السناتور الجمهوري بوب كروكر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، بالغ كثيرا، وهو المعتدل، عندما حذر امس من ان تهديدات الرئيس دونالد ترامب “المندفعة” للدول الأخرى تضع الولايات المتحدة على “مسارات حرب عالمية ثالثة”، وقال عن ترامب انه “يقلقني ويجب ان يقلق أي شخص يهتم بأمننا”.

الرئيس ترامب، وبعد ان هدد “بتدمير كوريا الشمالية بالكامل”، ها هو على وشك ان يفجر ازمتين خطيرتين، مع اهم قوتين اقليميتين في الشرق الأوسط، أي تركيا وايران، ليس فقط بسبب تقاربهما فيما يتعلق برفض الاستفتاء الكردي، وانما ايضا في الملف السوري.

اذا بدأنا بالاسهل، أي تركيا (حتى الآن)، فأن العلاقات التركية الامريكية تعيش ازمة تتضخم يوما بعد آخر، فبعد توجيه أمريكا تهما جنائية الى ثلاثة من حراس الرئيس رجب طيب اردوغان بتهمة الاعتداء على متظاهرين اثناء زيارة الرئيس التركي لها في أيار (مايو) الماضي، وتطالب بتسليمهم، ها هي تصدر قرارا بتعليق منح التأشيرات للمواطنين الاتراك الراغبين بزيارة أمريكا كرد فعل على اعتقال السلطات التركية لموظف محلي في سفارتها (أمريكا) في انقرة اتهم بالتخابر مع الداعية التركي فتح الله غولن، فرد الرئيس اردوغان بوقف اصدار تأشيرات دخول للمواطنين الامريكان متبعا سياسة “رد الصاع صاعين”، وتوقيع الرئيس التركي صفقة صواريخ “اس 400″ المتطورة مع موسكو قبل أسبوعين، ربما تكون الشعرة التي قسمت ظهر العلاقات مع واشنطن.

***

أمريكا وتركيا عضوان في حلف الناتو، ولكن هذه الشراكة الاستراتيجية في طريقها الى الانهيار لان الإدارة الامريكية اختارت الاكراد كحليف “يمكن الاعتماد عليه” عندما خيرها الرئيس اردوغان بينهم (الاكراد) وبين بلاده، وهناك تقارير عديدة تؤكد ان الرئيس ترامب يعارض الاستفتاء في كردستان العراق علنا ويؤيده سرا.

اما اذا انتقلنا الى الخلاف الأمريكي الإيراني المتفاقم على أرضية الاتفاق النووي، فانه دخل مرحلة جديدة من التأزم بعد قرار ترامب المتوقع بالانسحاب من هذا الاتفاق يوم الاحد المقبل (15 تشرين الأول ـ أكتوبر)، وتواتر التقارير عن قرار آخر بوضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب.

السيد محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري قال امس “انه اذا صحت الانباء عن حماقة الحكومة الامريكية بتصنيف الحرس الثوري كحركة إرهابية، فأن عليها ان تتوقع “ردا ساحقا”، وسيعتبر الحرس الجيش الأمريكي في كل انحاء العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط في نفس المتراس مع داعش”، وأضاف “على أمريكا ان تنقل قواعدها خارج مدى صواريخنا أي 2000 كيلومتر”.

وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة الارهاب آثار قلق الحكومة الفرنسية خوفا من تبعاته، مثلما آثار قلقها في الوقت نفسه قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، لان مثل هذه القرارات ستؤدي الى تفاقم التوترات في منطقة ملتهبة أصلا، وحث الرئيس الفرنسي ايران على ضبط النفس.

السيدة تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، هي الزعيمة الأوروبية الوحيدة التي تؤيد “حماقات” الرئيس ترامب وتهديداته، فقد اكد المتحدث بإسمها امس انها اتفقت مع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في مكالمة هاتفية بينهما “على ضرورة ان يُدرك المجتمع الدولي التهديد الذي تُمثله ايران لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، كما يَنبغي عليه ان يُواصل العمل على التصدي لأنشطة ايران لزعزعة استقرار المنطقة”.

***

سبحان الله أصبحت إسرائيل حريصة على استقرار منطقة الخليج والشرق الاوسط، وتدعم بريطانيا هذا الحرص، وتطالب المجتمع الدولي بردع ايران مصدر التهديد، ويجد هذا الموقف دعما من رئيسة الوزراء البريطانية، إسرائيل التي خاضت اكثر من ثماني حروب ضد العرب على الأقل في الستين عاما الماضية، أصبحت داعمة لاستقرار الخليج والمنطقة، اما ايران فمصدر التهديد الوحيد.

صدق السيناتور كروكر عندما قال ان ترامب يضع الولايات المتحدة على طريق حرب عالمية ثالثة، وليته اكمل مقولته هذه بقوله “بتحريض” من بنيامين نتنياهو الذي يدفعه الى هذه الهاوية، وبسرعة قياسية.

لا نعتقد، ونحن الذين نعيش في الغرب منذ 40 عاما، ان السيناتور كروكر، وبحكم منصبه، ينطق عن هوى، مثلما لا نعتقد ان السيدة ماي تتفق مع نتنياهو على التهديد الإيراني لاستقرار دول الخليج والشرق الأوسط، لولا وجود خطة متفق عليها للتحرش بإيران لجرها الى الحرب، الشيء نفسه يقال أيضا عن القلق الفرنسي، لكن ما يعرفه هؤلاء ان الحرب المقبلة اذا ما اشتعلت لن تكون مثل سابقاتها.

البداية، ربما تكون الانسحاب من الاتفاق النووي، والخطوة الثانية، إعادة العقوبات على ايران، اما الثالثة، وعنصر التفجير، فهي وضع الحرس الثوري على قائمة الإرهاب.

سياسات ترامب “الحمقاء”، والتحريض الإسرائيلي المتصاعد لتوريط أمريكا في حرب جديدة في المنطقة، ربما ستكون ابرز العناوين في المرحلة المقبلة.. والأيام بيننا.