صفقات.. صفقات.. صفقات.. مالية وسياسية.. العنوان الأبرز لزيارة العاهل السعودي لموسكو.. اتفاق على بقاء الأسد.. وآخر على بيع صواريخ “اس 400″ المتطورة.. هل سيتم التوصل الى “تفاهمات” حول مخارج للصداع السعودي المزمن في اليمن وكيف؟ وهل سيتوسط بوتين للتقارب بين طهران والرياض؟

عبد الباري عطوان

ربما كان من قبيل الصدفة ان تتزامن زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الى موسكو مع الذكرى الثانية لدخول القوات الروسية الى سورية، وهي الخطوة التي قلبت موازين القوى على الأرض، وشكلت بداية النهاية للمشروع الأمريكي، فبعد عامين من هذا التدخل انكمشت “الدولة الإسلامية” الى جيوب صغيرة في دير الزور والرقة، واستعادت الحكومة المركزية السورية 90 بالمئة من الأراضي التي خسرتها، وتحولت تركيا الى حليف استراتيجي لروسيا، جنبا الى جنب مع ايران، وها هي السعودية تمد يد الصداقة والتحالف للرئيس فلاديمير بوتين.

زيارة العاهل السعودي “التاريخية” هذه التي كانت الأولى على هذا المستوى منذ تأسيس المملكة قبل 85 عاما، ما كان احد يمكن تصور حدوثها قبل عامين فقط، عندما كان البلدان يقفان في خندقين متقاتلين في سورية، ولكن الظروف تغيرت، فالسعودية باتت تتقبل بقاء الأسد في قصر المهاجرين في دمشق، وتعترف باستحالة الحسم العسكري، وخفضت سقف توقعاتها الى الحصول على ضمانات روسية باحتواء النفوذ الإيراني فيها، والتوصل الى تسوية سلمية تعطي المعارضة “دورا ما” في سورية الجديدة.

***

الرئيس “الداهية” فلاديمير بوتين يتحدث بلغة المصالح الاستراتيجية، ويريد إقامة تحالفات مع الدول الرئيسية في الشرق الأوسط (تركيا، ايران، العراق، مصر) على حساب النفوذ الأمريكي المتراجع، وبما يؤهل بلاده لكي تكون لاعبا قويا ورئيسيا في إدارة أزمات المنطقة.

من خلال هذا المنظور الاستراتيجي يتطلع الرئيس بوتين الى جلب السعودية الى الخيمة الروسية كآخر حجارة “الجيسكو” في طموحاته الشرق أوسطية، ولهذا اعد استقبالا “خرافيا”، وغير مسبوق، على طول الطريق من المطار حتى مقر اقامته، أي العاهل السعودي، مع لافتات ترحيب بالعربية والروسية معا.

انها زيارة الصفقات التجارية والسياسية معا، فروسيا تتطلع الى الاستثمارات والمليارات السعودية، والأخيرة ترحب، ولكنها تريد المقابل السياسي والعسكري، وهذا ما يفسر وجود مئة من كبار رجال الاعمال السعوديين في صحبة العاهل السعودي، وفي جيوبهم دفاتر شيكاتهم الجاهزة للتوقيع.

هناك شقان رئيسيان لهذه الزيارة: الأول اقتصادي، وقد جرى التوصل الى “تفاهمات” لتثبيت سقف الانتاج النفطي الحالي حتى آذار (مارس) المقبل، وهذا يعني ضمان استقرار الأسعار، فالسعودية اكبر بلد منتج للنفط في أوبك، وروسيا الأكبر خارجها، مثلما جرى توقيع عدة صفقات استثمارية في مجالات متعددة في مجال الطاقة، اما الثاني، أي العسكري، فقد كانت المفاجأة الكبرى في موافقة روسيا على بيع السعودية منظومة صواريخ “اس 400″ الدفاعية الجوية، وهي صواريخ لم تحصل ايران، حليفة روسيا التاريخية على مثلها، هذا الى جانب أسلحة تقليدية وذخائر ومعدات.

البعد السياسي كان مهما في هذه الزيارة، فالسعودية تريد تنويع مصادر التسليح، الى جانب تنويع مصادر الدخل، وإقامة تحالف استراتيجي مع موسكو، “عابر للنفط”، وتبادلها روسيا الطموح نفسه، والمقابل الذي تريده السعودية محصور في امرين: الأول: منع اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة، والثاني: البحث عن مخرج من الحرب اليمنية التي لم تنجح “عاصفة الحزم” في حسمها عسكريا على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ولا نملك أي معلومات طازجة حول الموقف الروسي في الحالين.

***

العاهل السعودي يريد تعاونا روسيا لايجاد حل سياسي بحكم علاقات روسيا مع اضلاع التحالف الثلاثي المضاد للسعودية في اليمن: تيار انصار الله الحوثي، وحزب المؤتمر بزعامة الرئيس علي عبد الله صالح، وايران التي تدعم الطرفين الأخيرين عن بعد لان اكثر ما يهم القيادة السعودية ان لا يميل ميزان القوى في اليمن في صالح ايران.

تشكل هذه الزيارة، وايا كان الموقف من السعودية، تحولا مهما في المنطقة، وسياسة الرياض معا، فقد كسرت العديد من “التابوهات”، وعكست تغييرا في الموقف السعودي، واملته تحولات ابرزها صعود المحور الإيراني وحلفائه، وحرب الاستنزاف في اليمن، وعدم الوثوق في مصداقية الحليف الأمريكي التاريخي ومواقفة، والخوف من قانون “جستا” الأمريكي الابتزازي، ونتائج تطبيقاته الخطيرة.

لا نعرف النتائج النهائية حتى نصدر احكاما قاطعة، فكل ما جرى الإعلان عنه في يومها الأول هو مجرد “تفاهمات”، او توقيع اتفاقات بمبالغ محدودة، بالمقارنة مع مبلغ 460 مليار دولار الذي عاد به دونالد ترامب الى واشنطن بعد زيارة للرياض، ونجزم بأن الرئيس ترامب يراقب هذه الزيارة عن كثب، وكل اتفاقية توقع على هامشها، ولا نعتقد انه سيكون سعيدا في نهاية المطاف بمثل هذا التقارب.

المؤشر المهم الذي يجب متابعته في الأسابيع والاشهر المقبلة للتعرف على نتائج هذه الزيارة سياسيا على الأقل، هو التحرك الروسي على الجبهة اليمنية أولا، والجبهة الإيرانية ثانيا، وكوسيط محتمل في الحالين، وما علينا الا الانتظار.