اعتراف مفاجئ لليبرمان بانتصار الأسد في الحرب السورية.. ما مدى جديته؟ ومن هي الدول “السنية” و”المعتدلة” التي تقف في طابور التطبيع مع دمشق؟

عبد الباري عطوان

ربما لا يضيف افيغدور ليبرمان، وزير الحرب الإسرائيلي، جديدا بالاعتراف بأن الرئيس السوري بشار الأسد انتصر في الحرب المستمرة منذ ما يقرب من سبعة أعوام في حديث ادلى به الى موقع “والا” الاخباري الإسرائيلي ونشره اليوم، فقد فسر الماء بالماء، ولكن أهمية هذا الاعتراف تكمن في نظرنا تأتي من كونه يعني اعترافا بأن فرص المشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي أراد تغيير النظام، وتقسيم سورية الى خمسة دول على أسس عرقية وطائفية، مثلما أفادت دراسة خرائط نشرها مركز أبحاث الامن القومي في تل ابيب اليوم الثلاثاء، باتت محدودة جدا، ان لم تكن معدومة كليا.

الاعتراف الثاني الذي ورد على لسان ليبرمان ولا يقل أهمية عن نظيره الأول في المقابلة نفسها، تمثل في قوله، وبمرارة لافتة “أرى طابورا من دول العالم يغازل نظام الأسد.. فجأة بدأت هذه الدول تلهث للتقرب من الأسد وهذا امر غير مسبوق”.

***

كان لافتا ذكر ليبرمان “الدول العربية السنية المعتدلة، في حديثه عن “الطابور” الذي يطرق أبواب الرئيس الأسد مغازلا وطالبا القرب، فقبل أسابيع معدودة كان يتحدث، أي ليبرمان، عن هذه الدول كحليف استراتيجي لإسرائيل، ويؤكد ان العلاقات معها، والخليجية منها خصوصا قطعت اشواطا طويلة على طريق التطبيع والتعاون في مختلف المجالات، فهل تراجعت هذه الدول عن التطبيع مع إسرائيل، او بدأت تخفف من حدة اندفاعها في هذا الاتجاه بعد ان تيقنت من انتصار المحور الروسي الإيراني السوري، وانضمام تركيا تدريجيا اليه، بعد ازمة الاستفتاء الكردستاني ووقوف إسرائيل خلفه؟

 المعلومات المتوفرة لدينا تفيد بأن المملكة العربية السعودية تخلت عن الجلوس خلف محور القيادة في دعم المعارضة السورية ماليا وعسكريا، بل تخلت عن العربة نفسها، وهذا ما دفع السيد رياض حجاب، رئيس هيئة التنسيق العليا للمعارضة الى الهجرة الى الولايات المتحدة الامريكية، ليس بهدف العلاج، وانما يأسا واحباطا، وبعد ان قالتها السعودية له وزملائه بكل وضوح، بأن عليهم القبول بأن وجود الأسد بات امرا حتميا لا مناص منه، وان على المعارضة البحث عن أفكار خلاقة للتعايش مع هذا الواقع الجديد، فقد بدى حجاب في صحة جيدة اثناء لقائه بالسيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي في نيويورك اثناء حضور الأخير اجتماعات الجمعية العامة للام المتحدة، اما دولة قطر التي جرى نزعها من هذا المقعد، أي مقعد القيادة، لمصلحة السعودية، واجلاسها في المقعد الخلفي، مثلما قال رئيس وزرائها الأسبق الشيخ حمد بن جاسم، فقد غسلت يديها فيما يبدو من المعارضة السورية، او هكذا يعتقد الكثيرون، وباتت تقيم علاقات استراتيجية مع ايران، الحليف الاوثق للرئيس السوري، وهناك مؤشرات مؤكدة نفيد بأن تركيا تسير حاليا على النهج نفسه، وتتردد انباء ذات مصداقية عالية تفيد بان وفودا امنية تركية التقت نظيراتها السورية عدة مرات بوساطة روسية للتنسيق في جبهات عديدة بينها جبهة ادلب التي ستشعل نار حربها خلال أيام، والرقة أيضا الى جانب ملف الطموحات الكردية في الاستقلال والانفصال.

الرئيس السوري بشار الأسد كان اقل اندفاعا من ليبرمان عندما تجنب الذهب بعيدا وإعلان الانتصار على المشروع الأمريكي، وكان اكثر تعقلا، وربما تواضعا أيضا، عندما قال في احدى لقاءاته قبل أيام معدودة بأن النصر لم يكتمل بعد، رغم التقدم الكبير الذي حققه الجيش العربي السوري في جبهات عديدة خاصة كسر الحصار المفروض على دير الزور، واستعادة معظمها وبعض آبار النفط والغاز فيها، بحيث لم يبق غير مدينة ادلب خارج سيطرة الحكومة السورية، والرقة بدرجة اقل.

***

بقيت معركتان لا تقلان أهمية عن كل المعارك السابقة، الأولى معركة المصالحة الوطنية وما يتفرع عنها من سلم اجتماعي، وعودة التعايش في اطار مشاركة سياسية حقيقية على ارضية انفتاح إصلاحي ديمقراطي، وهناك مؤشرات جدية في هذا الاطار يمكن ان تتبلور في الجلسة المقبلة لمؤتمر جنيف الذي سيكون نسخة سياسية من نظيره العسكري في الآستانة، اما الثانية فهي معركة الاعمار التي لا يمكن الفوز فيها الا بعد الانتصار في الأولى.

ختاما نقول ان اعتراف ليبرمان بإنتصار الأسد سينزل بردا وسلاما على قلوب الكثيرين في سورية، لانه صادر عن قيادي من عدو شرس شن اكثر من مئة غارة في العمق السوري بهدف استفزاز القيادة السورية، وجرها الى حرب من الصعب عليها خوضها والانتصار فيها، وهي التي كانت تقاتل على اكثر من خمسين جبهة داخلية دفعة واحدة.

المؤامرة كانت خطيرة ومحبوكة، وقد يكون ما حدث في سورية من دمار وقتل وتهجير ونزف، هو احد فصولها، وقد نراها تنتقل الى دولة أخرى، فالحروب تتوالد، واهلنا من العرب والمسلمين هم وقودها، لكن الانتصار الأكبر بات وشيكا جدا.. والأيام بيننا.