لماذا يسارع كيري بفتح النار على ترامب ويحذره من الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني؟ وما هو “السر” الذي دفعه للمسارعة في توقيعه؟ وكيف سينعكس الانسحاب على دول الخليج في حال حدوثه؟ وكيف سيكون الرد الايراني والاوروبي؟

عبد الباري عطوان

ربما لا نضيف جديدا عندما نكرر المقولة الدارجة التي تؤكد ان معظم المسؤولين الغربيين، والامريكيين خصوصا، يصبحون اكثر حكمة وتعقلا، عندما يغادرون مراكزهم الرسمية في دولهم، ولكن هذا لا يعني التقليل من اهمية مواقفهم وتحليلاتهم السياسية في اي محاول من قبلنا، او غيرنا، لفهم آليات اتخاذ القرار ومعاييرها، وبعض المعلومات التي يمكن الاطلاع عليها من ثنايا تصريحاتهم تجاه العديد من قضايانا.

نسوق هذه المقدمة، التي تبدو طويلة في نظر البعض، بمناسبة المقال الذي كتبه جون كيري، وزير الخارجية الامريكي السابق، في صحيفة “واشنطن بوست”،  ونشرته اليوم السبت الذي شن فيه هجوما شرسا على الرئيس دونالد ترامب، وقال فيه انه لا يجب ان يكون الاتفاق النووي “لعبة” في يديه حفاظا على الامن القومي الامريكي، وكشف “ان سعيه لهذا الاتفاق، الذي استغرق التوصل اليه مع ايران آلاف الساعات من المفاوضات، جاء بعد وصول معلومات مؤكدة تفيد بأن لديها، اي ايران، مخزونا من اليورانيوم يكفي لصناعة عشر او اثنتي عشر قنبلة نووية”.

السيد جواد ظريف، وزير الخارجية الايراني، اكد مخاوف الوزير السابق كيري في تصريحات ادلى بها الى صحيفة “الغارديان” البريطانية ونشرتها اليوم، هدد فيها بأن بلاده سوف تستأنف تخصيب اليورانيوم وبمعدلات عالية (اكثر من عشرين في المئة) اذا انسحبت امريكا من الاتفاق النووي، وطالب الدول الاوروبية (فرنسا وبريطانيا والمانيا) بتجاهل هذا الانسحاب واستمرار التمسك بالاتفاق.

مقال الوزير كيري في “الواشنطن بوست”، وتزامنه مع تهديدات السيد ظريف، يؤكد ان الاسبوعين المقبلين سيشهدان حملة دبلوماسية مزدوجة يخوضها المعسكران المؤيد والمعارض، للاتفاق في محاولة للتأثير على نتائج المراجعة الدورية للكونغرس الامريكي حوله منتصف شهر اكتوبر المقبل، حيث من المتوقع ان تقدم وزارة الخارجية الامريكية شهادتها التي تجزم بأن ايران لم تلتزم بالاتفاق النووي، واخترقت بنوده، ولهذا يجب ان تنسحب ادارة ترامب منه.

***

رد الفعل الاوروبي على اي انسحاب امريكي من الاتفاق سيكون على درجة كبيرة من الاهمية لعدة اسباب نوجزها كما يلي:

  • اولا: معارضة الدول الاوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا والمانيا، للانسحاب من الاتفاق وتمسكها به، يعني حدوث طلاق سياسي بينها وبين الولايات المتحدة، وادارة ترامب تحديدا، وحدوث شرخ كبير في المعسكر الغربي، من نتائجه خسارة امريكا لمعظم نفوذها في اوروبا، وزيادة عزلتها عالميا، لان معظم دول العالم تفضل استمرار الاتفاق وتجنيب المواجهة.

  • ثانيا: دعم اوروبا للانسحاب الامريكي يعني انهيار الاتفاق والوقوف خلف خيارات الرئيس ترامب السياسية، وربما العسكرية ضد ايران، الامر الذي سيؤدي الى التصعيد وعودة الحصار، وربما الانزلاق الى مواجهة عسكرية.

  • ثالثا: اصطفاف روسيا والصين خلف ايران وزيادة تعاونها العسكري والتقني معها، لان الانسحاب من الاتفاق يجعلها في حل من اي حرج من جراء استمرار هذا التعاون، ولاحظنا ان روسيا لم تسلم صواريخ “اس 300″ لطهران الا بعد توقيع الاتفاق.

  • رابعا: الغاء الاتفاق، او انسحاب امريكا منه، سيعزز الجناح المتشدد في ايران بزعامة المرشد الاعلى السيد علي خامنئي، واضعاف المعتدلين برئاسة الرئيس حسن روحاني، واضعاف مصداقية الولايات المتحدة كدولة عظمى تحترم الاتفاقات التي توقع عليها، مما يزيد التعاطف الدولي مع ايران، وعزل امريكا، او بالاحرى ادارتها الحالية على الاقل.

انعكاسات اي قرار امريكي بالانسحال من الاتفاق النووي مع ايران، او استمرار الالتزام به ستكون واضحة، بل على درجة كبيرة من الاهمية على منطقة الشرق الاوسط، ومنطقة الخليج العربي تحديدا وهناك احتمالان في هذه الحالة:

  • الاول: ان تتراجع ادارة ترامب عن الانسحاب من الاتفاق، وتغطي انسحابها بالمطالبة بتعديله واضافة بند جديد يطالب بوقف ايران لتجاربها الصاروخية الباليستية، وهذه الصيغة ربما تجد بعض التجاوب اوروبيا، لانها تعني تأجيل الازمة، وكسب الوقت، الامر الذي قد يدفع الدول الخليجية بالعودة الى فتح قنوات الحوار مع طهران التي اجهضتها ادارة ترامب فجأة، وتمثلت في غزل دبلوماسي سعودي ايراني تبلور في تبادل ارسال الوفود الدبلوماسية لتفقد السفارات في عاصمتي البلدين، والانفتاح على القيادات الشيعية العراقية، وطلب وساطتها لـ”ترطيب” العلاقات السعودية الايرانية.

  • الثاني: ان تنسحب امريكا من الاتفاق كليا، وتعلن الحرب السياسية، وتبدأ التحريض ضد ايران، وتعيد الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضا عليها قبل الاتفاق كاملا، وهذا يعني اعلان حرب، وبدء تشكيل تحالف سياسي وعسكري ضد ايران، تكون دول الخليج، والسعودية والامارات والبحرين، رأس حربته الاقليمية.

***

لا نستعبد ايا من الاحتمالين، فالمعركة في بداياتها ولكننا نرجح الثاني بحكم معرفتنا بحماقات الرئيس ترامب ومزاجه الانفعالي الذي يلقى تأييدا وتفهما، وربما اعجابا في منطقة الخليج بسبب العداء المتأصل لايران.

الايرانيون سيردون بالتخلي عن الاتفاق واعتباره لاغيا في حال انجرار الاوروبيين خلف القرار الامريكي بالانسحاب، والبدء في زيادة التخصيب ومعدلاته، فهم لا زالوا يملكون اجهزة الطرد المركزي للتخصيب، والمفاعلات النووية في نطنز واراك، والاخير وسط جبل قرب قم، مثلما يملكون مئات العلماء والخبرات.

امريكا ستجد نفسها تحارب نوويا على جبهتين: كوريا الشمالية وايران في الوقت نفسه، الامر الذي سيؤدي الى زيادة التقارب وتبادل الخبرات والتنسيق في شتى المجالات، وبدعم روسي صيني ايضا.

الاستفتاء الكردي هو احد حلقات هذه الحرب الامريكية الزاحفة، بهدف استنزاف ايران، واغراقها وحليفها العراقي، وربما السوري، في حرب اقليمية، وهذا هو التفسير الاوضح لالتقاء اسرائيل ودول خليجية على تأييد هذا الاستفتاء ودعمه، سواء علانية، مثلما فعل الاسرائيليون، او في السر، مثلما فعل، ويفعل بعض الحلفاء الخليجيين.

لا نعتقد ان امريكا ترامب ستكسب هذه الحرب لان الظروف الدولية التي سمحت بغزو العراق واحتلاله تغيرت، او بالاحرى لم تعد موجودة.. وايران قوة عسكرية وصاروخية اقليمية عظمى قادرة على الرد على اي عدوان امريكي اسرائيلي.. والايام بيننا.