ما هو الجديد الذي يمكن استقراؤه من الغارة الصاروخية الإسرائيلية فجر اليوم على سورية؟ ولماذا تتكتم حكومة نتنياهو عن الحقائق؟ وما هو السلاح الذي استخدم في اسقاط احد الصواريخ؟

عبد الباري عطوان

تحتاح شعوبنا العربية، وفي غمرة حفلات العناق، السرية والعلنية، بين مسؤولين عرب كبارا، ونظرائهم الإسرائيليين، الى تذكيرهم، او بعضهم، بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي ما زالت العدو الذي لا يتوقف عن عدوانه، وانتهاك سيادة الأرض العربية وكرامتها.

من المفارقة ان تكون سورية التي تتعرض لحرب تقف خلفاها أمريكا وحلفاؤها العرب منذ سبع سنوات تهدف الى تقسيمها وتفتيتها، وانهاك جيشها، واسقاط نظامها هي الدولة الوحيدة المستهدفة بالغارات الجوية والصاروخية الإسرائيلية هذه الأيام، والشيء نفسه يقال عن قوافل أسلحة “حزب الله” وطائراته المسيرة.

بعد اقل من شهر، افقنا من صباح يوم الجمعة على تقارير إخبارية تؤكد حدوث غارة صاروخية إسرائيلية استهدفت مستودعا للأسلحة قرب مطار دمشق الدولي، يعتقد انه كان يحتوي على دفعة جديدة من الصواريخ المتطورة كانت في طريقها الى “حزب الله” في جنوب لبنان.

إسرائيل كعادتها في معظم هذه الحالات، تكتمت على انباء هذه الغارة، ومنعت الصحف الإسرائيلية من نشر أي انباء حولها، لكن شبكة الاعلام الحربي السوري اكدت ان وسائط الدفاع الجوي السوري نجحت في اسقاط احد الصواريخ الثلاثة التي كانت متجهة الى منطقة مطار دمشق، وسقط حطامه في ناحية الكسوة جنوب العاصمة.

***

شن دولة الاحتلال غارات جوية او صاروخية على سورية ليس جديدا، فقائد سابق لسلاح الجو الاسرائيلي اعترف قبل أيام معدودة بأن الطائرات الإسرائيلية اغارت اكثر من مئة مرة على اهداف في العمق السوري في السنوات السبع الماضية، لكن الجديد في رأينا، ان هذه الغارة الصاروخية الاحدث لم تمر دون رد مثلما جاء في بيان الاعلام الحربي السوري.

المحللون العسكريون الإسرائيليون، ومعظمهم من الجنرالات السابقين المتقاعدين لم يتوقفوا مطلقا، وطوال السنوات السابقة، عن التعبير عن قلقهم من تنامي قوة “حزب الله” وازدحام ترسانته العسكرية بأكثر من مئة الف صاروخ من بينها أنواع متطورة جدا في دقتها وابعادها، الى جانب الخبرات القتالية للحزب المتطورة، وامتلاكه لطائرات مسيرة بدون طيار حلقت احداها فوق الجولان المحتل، وجرى اسقاطها قبل أيام بصاروخ باتريوت، تتراوح قيمته بين مليوني وثلاثة ملايين دولار، بينما لم تزد قيمتها عن بضعة مئات من الدولارات.

موشيه ايرنز، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق كشف في مقال نشره اليوم في صحيفة “هآرتس″ الإسرائيلية ان حكومته اتخذت قرارا بالانسحاب من جنوب لبنان عام 1999 (كان يرأسها ايهود باراك) لتقليص الخسائر البشرية أولا، وتوقيف “حزب الله” لعملياته العسكرية، ولكن لم يتحقق أي من الهدفين، فالهجمات استمرت انطلاقا من جنوب لبنان، وخسرت إسرائيل 120 جنديا، و44 مدنيا في حرب تموز (يونيو) عام 2006، وأصيب اكثر من الفي شخص، وتدمير الدبابات والعربات المدرعة، وتحول “حزب الله” الى “قوة عظمى” عقيدتها القتالية الدينية تدمير دولة إسرائيل.

كنا، والكثيرون غيرنا، نطالب الجيش العربي السوري، وحلفاءه الروس بالرد على هذه الغارات الإسرائيلية ووضع حد لها، ولا نستبعد ان يكون اسقاط احد الصواريخ الثلاثة فجر اليوم هو “اول الغيث”، مع ملاحظة ان الطائرات الحربية الإسرائيلية لم تعد تخترق الأجواء السورية، ويتم تحويل هذه المهمة الى القصف الصاروخي من خارج الأجواء السورية، مثلما حدث في الغارة الأخيرة قبل ثلاثة أسابيع التي اطلقت صواريخها على معمل أبحاث صاروخي قرب حمص من الأجواء اللبنانية.

***

ندرك جيدا ان القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تعيش حالة من الرعب من إنجازات الجيش السوري على الارض، مثلنا ندرك نهاية الحرب في صورتها الحالية باتت وشيكة، وان الحكومة السورية اثبتت تماسكها ومؤسساتها، وان إسرائيل تقوم بمثل هذه الهجمات محدودة الجدوى (مطار دمشق يعمل بشكل عادي) بهدف “الاستفزاز″، وجر السلطات السورية وداعميها الروس الى حرب، حذر منها الرئيس فلاديمير بوتين الذي يدير العمليات على الارض السورية بدهاء واضح، بالوعي لهذا المخطط الإسرائيلي وتجنب الوقوع في مصيدة استفزاز هذه.

من الجيد ان تكون هناك حكومات وحركات عربية وإسلامية لم تستسلم لدولة الاحتلال، وما زالت ترفع راية المقاومة، وتعزز قدراتها العسكرية البديلة للتصدي لهجماتها، في وقت يتباهى فيه نتنياهو ووزير امنه، افيغدور ليبرمان، بعلاقات تحالفية تطبيعية علنية وسرية مع العديد من الدول العربية تحت عنوان التصدي للخطر الإيراني.

حدسنا الداخلي يقول لنا بأن سنوات الاذلال والهزائم اوشكت على نهايتها، ان لم تكن انتهت فعلا، وان سنوات النهوض والكرامة قادمة وبسرعة، ونأمل ان يكون حدسنا في مكانه.