طائرات “حزب الله” المسيرة التي اخترقت أجواء الجولان “نقلة نوعية” تثير القلق الإسرائيلي.. صاروخ “باتريوت” بمليوني دولار لاسقاط طائرة بـ 600 دولار.. هذه هي المعادلة الجديدة.. لماذا يترحم الكثيرون على الشهيدين “ابو العباس″ والتونسي محمد الزواري؟

عبد الباري عطوان

اعتراض المضادات الأرضية الإسرائيلية اليوم الثلاثاء طائرة مسيرة بدون طيار بصاروخ من نوع “باتريوت” بعد اختراقها الأجواء فوق هضبة الجولان المحتل، ربما يكون خبرا عاديا في نظر الكثيرين لا يستحق التوقف عنده، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، ولكن اذا عرفنا ان هذه الطائرة اطلقها “حزب الله” في مهمة استطلاعية، وان تكاليف “الباتريوت” الذي اسقطها تبلغ قيمته مليوني دولار، فأن الصورة ربما تختلف جذريا.

المقاومة بشقيها اللبناني والفلسطيني، سواء في جنوب لبنان او في قطاع غزة، لم يرهبها هذا التفوق العسكري، مثلما ارهب أنظمة عربية، وحاولت دائما ان تتحدى هذا الخلل وتحاول ان تتفوق عليه، بكل ما تملكه من وسائل بسيطة وارادة قتالية عالية.

سنتحدث لاحقا عن معنى اطلاق هذه الطائرة نحو الجولان، ولكن نرى لزاما علينا التذكير، بعبقرية الشهيد محمد عباس، او “ابو العباس″، امين عام جبهة التحرير الفلسطينية، الذي توفي في سجون الاحتلال الأمريكي في العراق عام 2003، فقد فاجأ العالم بأسره والإسرائيليين بالذات، عندما ارسل في مطلع الثمانينات مجموعة فدائية على متن طائرة شراعية لاختراق حدود فلسطين الشمالية، والهبوط في قلب قاعدة عسكرية إسرائيلية تحت جنح الليل دون ان تنجح الرادارات في رصدها.

***

تقارير عسكرية اكدت قبل أيام ان اكثر ما تخشاه القيادة الإسرائيلية هو ان يستخدم “حزب الله” طائرات بدون طيار لضرب حقول الغاز في البحر المتوسط، مع الإشارة الى مدى تطور هذا النوع من الطائرات التي انتجتها مصانع إيرانية، او ان يرسلها الى العمق الفلسطيني المحتل محملة بالقذائف الصاروخية، ويبدو ان هذا اليوم ليس بعيدا.

امتلاك هذا النوع من الطائرات الذي استخدمته القيادة العسكرية الامريكية في ارتكاب مجازر في حق مدنيين في أفغانستان واليمن، تحت ذريعة مطاردة مقاتلي تنظيم “القاعدة”، لم يعد مقتصرا على “حزب الله”، بل وصل الى كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس″ في قطاع غزة، باتت هذه الطائرات تصنّع محليا.

في 15 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، اغتالت خلية تابعة لجهاز “الموساد” الإسرائيلي شابا تونسيا يدعى محمد الزواري، في مدينة صفاقس، مسقط رأسه، وتبين لاحقا ان المهندس التونسي العبقري التحق بجناح القسام عام 2006، وزار قطاع غزة ثلاث مرات، واسس وحدة لانتاج طائرات بدون طيار، انتجت عشرات الطائرات، جرى تسميتها باسم “ابابيل”، وبعد استشهاده جرى وضع صوره على جناحها تكريما واعتزازا.

هذا الشاب الذي حصل على عدة جوائز عالمية لاختراعاته في مجال الطيران، رفض عروضا مالية ضخمة من العديد من الجهات الغربية، وقرر ان يوظف عبقريته في خدمة قضايا امته العادلة.

صواريخ القبة الحديدة ربما تستطيع التصدي لبعض نظيراتها القادمة من قطاع غزة، مثلما حدث في حرب عام 2014، ولكنها قطعا لا تستطيع اسقاط الطائرات بدون طيار سواء القادمة من جنوب لبنان، او جنوب فلسطين، حسب معظم الخبراء الإسرائيليين.

ما نريد قوله، انه بينما تهرول قيادات عربية للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، هناك في المقابل من الشرفاء الذين يواصلون الليل بالنهار لتعزيز قدرات المقاومة العسكرية، وإعادة الثقة، وبصورة اقوى، الى ثقافة المقاومة، وبما يؤدي الى وضع حد للغطرسة الإسرائيلية وصولا للسلام الحقيقي العادل والدائم.

***

لا نعرف كم عدد الصواريخ الباتريوت التي تملكها سلطات الاحتلال، ولكن ما نعرفه ان هناك مئات من طائرات “الدرونز″، او بدون طيار، موجودة حاليا في مخازن المقاومة في جنوب لبنان وقطاع غزة، الامر الذي سيشكل استنزافا للميزانية العسكرية الإسرائيلية، مضافا الى ذلك بث حالة من الرعب والهلع في صفوف المستوطنين الإسرائيليين.

ربما لا يتابع معظم العرب هذه الانباء اللافتة ومعانيها، لانشغالهم بالحروب الدموية المؤسفة في اكثر من بلد عربي، ومتابعتهم لحسابات الناطق باسم الجيش الإسرائيلي على وسائط التواصل الاجتماعي، ولكن الإسرائيليين ومحلليهم العسكريين يتابعونها عن كثب، ويدركون حجم الخطر الذي يتهددهم، سواء من هذا النوع من الطائرات، او مئات الآلاف من الصواريخ المتطورة الموجودة في ترسانة حركات المقاومة وداعميها.

هناك مثل عربي يقول “جاءك من يعرفك يا بلوط”، ولعله يلخص الكثير من الأوهام حول قوة الإسرائيليين، وبهدف بث روحية الاستسلام والهزيمة، وليس هناك ابرع من يعرف هذا “البلوط” من رجال المقاومة.