كيف كسب “شيوخ حماس″ جولات المصالحة قبل ان تبدأ؟ ولماذا كان التوظيف الذكي لورقة “دحلان” حاسما في تراجع قيادة السلطة عن اخطائها؟ ولماذا لا نُعرف بالتفاؤل ونتحلى بالحذر تجاه “تفاهمات” القاهرة الجديدة؟

عبد الباري عطوان

ربما لن نكون الوحيدين الذين يتابعون بحذر شديد لقاءات واتفاقات المصالحة بين حركتي “فتح” و”حماس″، قطبي المعادلة السياسية الفلسطينية، في مدينة القاهرة برعاية مصرية، ليس لان التحديات كبيرة، وليس لأننا لدغنا من الجحر نفسه مرات عديدة في السابق، وانما أيضا لان منسوب الثقة بين الجانبين متدن للغاية.

الطرفان، أي “فتح” و”حماس″، يعيشان حالة من التأزم والتهميش، عربيا ودوليا وفلسطينيا، ويبحثان عن مخارج، والعودة الى الساحتين السياسية والإعلامية، ولذلك عادا الى الورقة التقليدية، ولكن دون أفكار جديدة، وبهدف محاولة كسب الوقت، وعدم اغضاب الوسيط المصري الذي يحرص على ارضائه الطرفان.

أمور كثيرة تغيرت منذ اتفاق المصالحة الأول الذي جرى توقيعه في القاهرة عام 2011، القيادة المصرية تغيرت، والمخابرات المصرية التي تشرف على هذا الملف تغيرت على مستوى القمة، وحل اللواء خالد فوزي محل اللواء عمر سليمان (انتقل الى دار البقاء)، وحركة حماس تغيرت أيضا، وانتخبت مكتبا سياسيا جديدا وقيادة اكثر صلابة و”براغماتية” وشبابا من اهل الداخل، ونظيفة اليد على صعيد الخلافات العربية والفلسطينية أيضا، الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو قيادة “فتح” والسلطة، فالوجوه نفسها، والنهج نفسه، والرئيس نفسه، والمفاوضون انفسهم، والانكار نفسه، وكأن حركة “فتح” حركة “عاقر”.

***

نسجل هنا كمراقبين ان قيادة “حماس″ الحالية كانت اكثر ديناميكية ومناورة بالمقارنة مع نظيرتها في رام الله، فقد اعادت ترميم الجسور مع مصر، وفتحت ثغرة كبيرة في جدار حركة “فتح”، عندما بدأت حوارا مع “تيار دحلان”، وتوصلت الى تفاهمات معه برعاية مصرية، واستأنفت علاقاتها التحالفية مع ايران، و”حزب الله”، وغسلت يديها من كل، او معظم، تحالفات القيادة السابقة عربيا، وباتت على وشك استعادة علاقاتها مع سورية، ودول خليجية مهمة في السرب المصري.

حركة “فتح” في المقابل، او رئاسة السلطة على وجه التحديد، ارتكبت أخطاء كارثية عندما استخدمت اجراءات تشديد الخناق على مليوني فلسطيني في قطاع غزة كورقة لعقاب خصومها “الحمساويين”، فجاءت النتائج عكسية تماما، بل كارثية، تكشف عن سوء تقدير ونزق في اتخاذ القرار.

قلصت السلطة الكهرباء، خفضت رواتب ستين الف موظف، هم من أبناء حركة “فتح” في معظمهم، واحالت ستة آلاف منهم على التقاعد المبكر، ولعبت دورا كبيرا في إبقاء معبر رفح الشريان الوحيد الى العالم مغلقا، فلم تضعف حركة “حماس″، ولم ينزل مئات الآلاف من أبناء القطاع في تظاهرات ضدها، وانقلب السحر على الساحر، وذهبت الحركة، أي “حماس″ الى الخصم اللدود النائب محمد دحلان، وفتحت حوارا معه فكسبت بهذه الخطوة مصر الداعمة له، ومعسكر عربي يقف في خندقها، وفتح معبر رفح اياما اضافية، والحصول على دفعات وقود مصرية سخية لمحطة الكهرباء اليتيمة في غزة.

المشكلة الكبرى ان قيادة السلطة لا تعي جيدا المتغيرات العربية والدولية والداخلية الفلسطينية، وتتصرف بعنجهية، وتمارس الاقصاء، وتعتقد انها ما زالت بالقوة والزخم الذي كانت عليهما أيام “الفاكهاني” في السبعينات في بيروت، ودليلنا الأبرز ان “حماس″ التي تتهمها بالظلامية والتخلف، غيرت قيادتها ومكتبها السياسي ثلاث مرات على الأقل، في انتخابات فريدة من نوعها، بينما بقيت اللجنة المركزية لحركة “فتح” وقيادتها المتقدمة في السن على حالها دون أي تغيير.

صحيح ان “الشرعية” ما زالت ورقة الرئيس محمود عباس الأقوى، ولكنها شرعية تتآكل بسرعة بسبب تآكل قاعدتها الأساسية، وهي اتفاقات أوسلو، (تعيش ذكراها الرابعة والعشرين حاليا)، وتغول الاستيطان الإسرائيلي، وانحسار الدعم الشعبي، وتحويلها، أي السلطة، رهينة الصدقات المالية الدولية المسمومة.

احدث استطلاعات الرأي (نشرت نتائجها صحيفة الغارديان البريطانية الرصينة) تقول انه لو جرت انتخابات اليوم لفازت بها حركة حماس في الضفة والقطاع معا، ولكن من يقنع الرئيس عباس ولجنته المركزية بهذه المعلومة الصادمة، ويدفعه الىالاعتراف بهذه الحقيقة واجراء نقد ذاتي ومراجعات.

***

نعود الى نتائج لقاءات “فتح” و”حماس″ في القاهرة، وما تمخضت عنه من اتفاقات، مثل استعداد حركة “حماس″ لحل حكومتها في القطاع (اللجنة الإدارية) فورا، وخوض انتخابات تشريعية ورئاسية وللمجلس الوطني أيضا، وإعادة هيكلية الاجهزة الأمنية، وتسليم كل مفاصل السلطة لحكومة الوفاق الوطني في مرحلة انتقالية، ريثما يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية.

بحثنا في كل التصريحات والوثائق لعلنا نجد نصا صريحا على انهاء التنسيق الأمني، او الاتفاق على تفعيل المقاومة بأشكالها كافة ضد الاحتلال، وإلغاء كل إجراءات السلطة بوقف مكافآت الاسرى في سجون الاحتلال، وتقليص رواتب الموظفين في قطاع غزة، فلم نجد أي إشارة في هذا الصدد، ولن نفقد الامل، وان كان الامل بوجه الله.

اهم انجاز حققه الفلسطينيون هو إجبار نتنياهو على التراجع مهانا في القدس المحتلة، وسحب بوابات العار الالكترونية التي نصبها على أبواب المسجد الأقصى، وهذا الإنجاز الانتصار تحقق بدون ان يكون هناك أي دور مباشر او غير مباشر للسلطة او حركة “حماس″، او أي فصيل آخر من تلك الفصائل التي تستعد للمشاركة في حوارات ومصالحات تعيدها الى الأضواء مجددا، بعد بيات صيفي وشتوي طويلين، وهذا يلخص الحالة الفلسطينية تلخيصا صادقا ومعبرا.

تريدوننا ان نتفاءل بحل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وعناق ممثلي حركتي “فتح” و”حماس″، على اعتبار ان المصالحة قادمة، لا بأس سنستجيب لطلبكم، ولكن ما هو حجم ارتفاع سقف هذا التفاؤل، وكم أسبوع او شهر سيطول؟ وما هي آليات التطبيق العملي؟ وكيف ستتم عملية نقل السلطات؟ وكيف سيكون شكل الحكومة الجديدة؟ وهل ستكون هناك ضمانات للإصلاح الحقيقي على الصعد كافة، واجتثاث الفساد؟

الكتابة عن لقاءات المصالحة واتفاقاتها عملية مرهقة ومؤلمة، وتبعث على الملل من شدة التكرار، والبحث عن أي جديد، بالنسبة الى الكاتب والقارئ معا، ولهذا لم تعد القضية الفلسطينية القضية المركزية العربية الأولى في نظر الكثيرين، وبات بغات الطير يستأسد على الفلسطينيين، وتتصاعد عمليات التطبيع والتحالف بين حومات عربية والإسرائيليين الحماة الجدد.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.