لماذا قرر الأمير تميم زيارة انقرة فجأة واللقاء بالرئيس اردوغان؟ وما هي الرسائل التي يريد ايصالها لخصومه الأربعة من خلالها بمغادرة الدوحة لأول مرة منذ بدء الازمة؟ وهل لها علاقة بتزايد الحديث عن احتمال تغيير النظام؟

عبد الباري عطوان

كسرت الازمة الخليجية حاجز المئة يوم الأولى من عمرها ودخلت المئة يوم الثانية، ودون ان يلوح في الافق أي انفراج وشيك يؤدي الى ازالة التوتر المتصاعد بين دولة قطر وخصومها الأربعة، فالوساطة الكويتية انهارت تقريبا، او دخلت مرحلة الموت السريري، ودخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الازمة بإيعازه لامير قطر بالاتصال بالامير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، لترطيب الأجواء بين الجانبين وفتح قنوات حوار أعطت نتائج عكسية تماما.

هذه الازمة، التي تسير على خطى نظيرتها اليمنية، مرشحة للعديد من المفاجآت في الأيام والاسابيع المقبلة، بالنظر الى التلاسن الحاد الذي حدث بين السيد سلطان بن سعد المريخي، وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية، والسيد احمد القطان، مندوب السعودية لدى الجامعة العربية، اثناء الاجتماع العادي لمجلس الأخيرة الذي انعقد الثلاثاء على مستوى المندوبين.

اخطر ما في هذه الملاسنة التي استمرت 37 دقيقة واستحوذت كلمة الوزير القطري عشر دقائق منها، الفقرة التي وردت فيها (أي كلمة الوزير القطري)، وتضمنت اتهاما للسعودية بمحاولة نزع الشرعية عن النظام القطري وتغييره، وهو ما نفاه السيد القطان جملة وتفصيلا، ولكنه، هدد دولة قطر والمسؤولين فيها بأنهم سيندمون ندما كبيرا في رده على وصف الوزير القطري ايران بأنها دولة “شريفة”، وأضاف “هنيئا لكم بإيران، والمملكة قادرة على فعل أي شيء، وهي قدها وقدود”.

***

مخاوف قطر من تغيير نظامها لم تغب مطلقا عن ذهن المسؤولين فيها منذ اليوم الأول للازمة، لان هناك سوابق في هذا الاطار، السابقة الأولى محاولة التدخل العسكري لإطاحة حكم والد تميم الشيخ حمد بن خليفة عام 1996، والسابقة الثانية اطلاق السعودية “عاصفة الحزم” لاسقاط الحكم “الحوثي الصالحي”، وإعادة الرئيس اليمني “الشرعي” عبد ربه منصور هادي الى صنعاء، ولا ننسى في هذه العجالة أيضا تدخل الدولتين، أي قطر والسعودية، لإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد، واطاحة نظام العقيد القذافي في ليبيا.

تبني القيادتين السعودية والاماراتية للشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، سليل الجناح المنافس في الاسرة القطرية الحاكمة، كأمير بديل، ودعمها لـ”المعارضة” القطرية ومؤتمرها الذي سيعقد غدا الخميس في لندن، يوحي بأن مخططات تغيير النظام مستمرة، وان نَفَس هاتين القيادتين وحلفائها طويل، وعبر عن ذلك صراحة السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، عندما قال في مؤتمر صحافي مع نظيره الروسي قبل أيام، ان بلاده مستعدة لاستمرار الازمة لعامين او اكثر، مما يعني ان الحصار او المقاطعة لقطر مفتوحة النهايات، ولكن هل تحتمل الجزيرة العربية ازمتين، في اليمن ومنطقة الخليج في الوقت نفسه تستمران لاعوام.

التطور الاحدث في الازمة الخليجية الزيارة الني سيقوم بها الأمير تميم بن حمد الى انقرة غدا الخميس، وهي الأولى التي سيقوم بها خارج البلاد منذ بدء الازمة الخليجية.

اللافت ان السلطات التركية لم تعلن عنها الا قبل 24 ساعة من حدوثها، حيث قال بيان رئاسي ان الرئيس رجب طيب اردوغان سيستقبل الأمير القطري الخميس حيث سيجري بحث العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، أي انها لم تكن مبرمجة على غرار نظيرتها الى برلين.

اختيار الأمير القطري انقرة لزيارته الخارجية الأولى لم يكن بالصدفة، وكان اختيارا محسوبا بعناية في رأينا لتوجيه رسالتين:

  • الاولى: تريد القول بأن الشيخ تميم مطمئن على سلامة حكمه، وواثق من استقرار جبهته الداخلية، وغير خائف من حدوث انقلاب، او تدخل عسكري خارجي، يطيح بحكمه مثلما حدث عام 1972 عندما أطاح جده الشيخ خليفه بالامير أحمد بن علي آل ثاني، شقيق “امير الظل” الحالي، في انقلاب ابيض عندما غادر الاخير الى ايران في رحلة صيد، او على غرار انقلاب ابيض ثان أطاح بجده الشيخ خليفة بن حمد عام 1995 على يد ابنه الشيخ حمد بن خليفة اثناء مغادرة الأول الدولة الى سويسرا في زيارة خاصة توقف خلالها في القاهرة.

  • الثانية: التأكيد على قوة التحالف القطري التركي، ودور الرئيس اردوغان كصديق أوثق للحكم في الدوحة، يمكن الاعتماد عليه في مواجهة أي تدخل عسكري خارجي، حيث توجد لتركيا قوات في قطر يتراوح تعدادها بين 10 آلاف الى 30 الف جندي، حسب التقديرات المتضاربة تنفيذا لمعاهدة دفاعية بين البلدين.

صحيح ان الأمير تميم سيتوجه الى برلين بعد انقرة تلبية لدعوة السيدة انجيلا ميركل، التي كانت دولتها اكثر الدول الأوروبية تعاطفا مع دولة قطر، ومنتقدة للحصار المفروض عليها من الدول الأربعة المقاطعة (بكسر الطاء)، ولكن تظل انقرة هي المحطة الأهم، ولا نستبعد ان يحاول، أي الأمير تميم، نقل رسائل من الرئيس اردوغان للمستشارة الألمانية لتخفيف الخلاف بين الطرفين.

ولعل وصف وزير الدولة القطري السيد المريخي لإيران بأنها “الدولة الشريفة” الذي استفز المندوب السعودي السيد القطان، هو رسالة تسلط الأضواء على التعويل القطري على ايران كحليف استراتيجي ثان في مواجهة أي محاول لتغيير النظام، فقد اعادت قطر سفيرها الى طهران، وفتحت الأخيرة موانئها واجوائها لكسر الحصارين البحري والجوي، وطار وزير خارجيتها السيد محمد جواد ظريف الى انقرة لبحث التنسيق مع الرئيس اردوغان في الازمة الخليجية.

***

ردة الفعل الغاضبة للامير محمد بن سلمان على البيان القطري الذي تحدث عن “اتصالات” هاتفية بينه وبين الشيخ تميم بتنسيق، او بطلب من ترامب، واجهاضه للمبادرة الامريكية لانه يريد اعترافا كاملا من دولة قطر بأخطائها وقبولها بالمطالب الـ13، ربما تترجم الى خطوات اكثر خطورة في الأيام او الأسابيع المقبلة، ولا نستغرب ان تكون حالة السكون الحالية هي التي قد تسبق العاصفة.

من الرابح ومن الخاسر في هذه الازمة التي بدأت المئة يوم الثانية من عمرها؟ ربما من السابق لاوانه إعطاء رأي حاسم في هذا المضمار، لكن يمكن القول ان الطرفين خاسران، مع تسليمنا ان خسارة الطرف الذي جرى فرض الحصار عليه اكبر من خسارة الطرف الذي يفرض هذا الحصار، حتى الآن على الاقل، او هكذا نعتقد.

مرة أخرى نقول انها معركة عض أصابع فشلت جميع الوساطات في انهائها حتى الآن، ونحن في انتظار من يصرخ أولا، ويرفع الراية البيضاء، او انطلاق “شرارة ما” تشعل فتيل المواجهة العسكرية، وهذا موضوع آخر.