صفقة صواريخ “اس 400″ الروسية لتركيا تشكل انقلابا استراتيجيا في المنطقة والعالم.. كيف؟ هل التقى اردوغان الأسد سرا بوساطة بوتين؟ ولماذا لا نصدق النفي التركي؟ وهل بات انسحاب انقرة من الناتو وشيكا؟

عبد الباري عطوان

بينما ينشغل العرب، او معظمهم، بالازمة الخليجية وتطوراتها، والحروب السياسية والإعلامية الدائرة على هوامشها، تشهد منطقة الشرق الأوسط انقلابا استراتيجيا ربما يغير معادلات الحرب والسلام فيها، ويقوده هذه المرة الرئيس رجب طيب اردوغان، وبدعم “صديقه” الروسي فلاديمير بوتين.

توقيع تركيا وروسيا اتفاقا بشراء الأولى منظومة صواريخ “اس 400″ الاحدث تطورا في العالم، وبقيمة 2.5 مليار دولار، بقروض روسية، يؤسس لتحالف استراتيجي بين البلدين، ربما يكون مقدمة لانسحاب انقرة من حلف الناتو بعد 55 عاما من عضويتها فيه.

الرئيس اردوغان اكد توقيع الاتفاق المتعلق بهذه الصفقة التي اقلقت واشنطن، ودول الاتحاد الأوروبي، وقال “نحن فقط المسؤولون عن اتخاذ التدابير الأمنية للدفاع عن بلادنا”، اما فلاديمير كوجين، مساعد الرئيس الروسي، فقال “لقد تم توقيع العقد، ودفعت تركيا “العربون”، والاعداد جار لتنفيذه”، أي استلام تركيا للدفعة الأولى من هذه الصواريخ.

***

صحيح ان توقيع العقد ليس ضمانة لتنفيذه، فإيران وقعت اتفاقا مماثلا للحصول على منظومة الصواريخ “اس 300″ الأقل تطورا، وكان عليها الانتظار عدة سنوات بين شد وجذب وإلغاء وتجميد، الا ان تم التسليم قبل ستة اشهر فقط، ولكن ربما يكون الوضع مختلفا هذه المرة، فتركيا ليست في حال حصار، ولا تفرض عليها أمريكا عقوبات اقتصادية مثلما هو حال ايران، وليست متهمة بالإرهاب (حتى الآن)، بحكم كونها حليفة للغرب وعضو مؤسس في حلف الناتو.

وحتى نسلط الأضواء على أهمية هذه الصفقة يمكن الإشارة الى امرين أساسيين: الأول ان دولة الاحتلال الإسرائيلي فشلت في الحصول على هذه الصواريخ من روسيا، والثاني انها فشلت في منع بيعها لتركيا، وقبلها الى ايران.

القيادة الروسية ما كان يمكن لها ان تقرر بيع هذه المنظومات الصاروخية، درة تاج صناعتها العسكرية، لولا تيقنها من متانة التحالف الاستراتيجي الجديد الذي تنسجه مع تركيا، ورغبة الأخيرة في إدارة ظهرها للغرب والاتجاه شرقا الى روسيا والصين، القوتين الصاعدتين، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وستكون لهما اليد العليا في السنوات القليلة المقبلة.

أمريكا استطاعت ان تهيمن على العالم من خلال حاملات طائراتها التي تشكل قواعد عسكرية متنقلة ومحمية بالطائرات والرادارات والغواصات وقوات المارينز، وكل حاملة طائرات تكلف حوالي عشرين مليار دولار لبنائها، روسيا مثل ايران، او الثانية مثل الأولى، قررت ان تنهي هذا التفوق العسكري الأمريكي بالتركيز على صناعة الصواريخ المتطورة، التي لا تكلف صناعتها الكثير من المليارات، ولكنها قادرة على تقليص او الغاء التفوق العسكري الأمريكي الجوي والقواعد العائمة.

خبير عربي كبير في العلوم الاستراتيجية العسكرية اكد في حديث مع صحيفة “راي اليوم” ان الترسانة الروسية تضم صاروخا من نوع SN 22، او الشمس الحارقة، بات يشكل تهديدا كبيرا للصناعات العسكرية الامريكية والغربية عموما، وسيكون احد ابرز المفاجآت الروسية القادمة.

المقربون من الرئيس بوتين يتحدثون حاليا عن حدوث تغيير كبير في موقف الرئيس الروسي نفسه، محوره ضرورة قيام تحالف استراتيجي بين المسلمين والروم، والروم الذين يقصدهم، هم الروس الأرثوذكس، ومقر كنيستهم موسكو، يمتد هذا التحالف من القسطنطينية (إسطنبول) وحتى موسكو، وهذا ما يفسر تحالفه مع روسيا وايران، ومنع سقوط سورية في يد حلفاء أمريكا وحلفائها، ويبدو ان الرئيس اردوغان يشاركه الرؤيا نفسها التي تحدثت عنها تفاسير قرآنية.

***

لا نعرف مدى مصداقية هذه الرواية، ولكن ما نعرفه ان مشاركة روسيا وايران وتركيا في مؤتمر الآستانة الذي لعبت اجتماعاته بين ممثلي الفصائل السورية المسلحة، ووفد من الحكومة السورية دورا كبيرا في وقف لاطلاق النار في معظم ارجاء سورية، وهزيمة الفصائل المصنفة على قائمة الإرهاب، ولم يُسمح للولايات المتحدة وحلفائها بالمشاركة في أي من هذه الاجتماعات.

لا نستبعد صحة ما ذكرته صحف تركية من بينها “حرييت” ذات المصداقية العالية، حول عقد لقاء سري بين الرئيس اردوغان ونظيره السوري بشار الأسد بوساطة الرئيس بوتين، رغم نفي الرئيس اردوغان صحة هذا الخبر وقوله للصحافيين الذين رافقوه على طائرته اثناء عودته من كازاخستان امس “لم اقابل الأسد ولا انوي اللقاء به”، وما يدفعنا الى ذلك التفاهم بين دول الحلف الرباعي الجديد (روسيا، ايران وتركيا وسورية) على خطة الهجوم المتوقعة في أي لحظة لاستعادة ادلب وانهاء سيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة) عليها.

المنطقة تتغير، ويعاد رسم خريطة التحالفات فيها بشكل متسارع، بينما ينشغل العرب، او بعضهم، بالمناكفات والصراعات والحروب الافتراضية على وسائط التواصل الاجتماعي، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والباقي متروك لفهمكم.