ما هي “كلمة السر” التي نسفت مفاجأة الاتصال الهاتفي القطري السعودي وبددت آفاق التفاؤل؟ ولماذا نعتقد ان ترامب الخاسر الاكبر ولا نستبعد تدخله بقوة في الايام المقبلة؟ وهل ازدادت حظوظ الحل العسكري؟ وما هي فرص “امير الظل” القطري؟

عبد الباري عطوان

حالة التصعيد المفاجيء الذي تشهده الازمة الخليجية في الوقت الراهن بعد انهيار “مبادرة” الحوار القطرية المفاجئة، وازدياد حدة الحملات الاعلامية شراسة بين قطبيها الرئيسيين، اي السعودية وقطر، لا بد ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب يضرب كفا بكف اسفا على رهانه على اقامة حلف خليجي عربي، يمكن ان يتصدى لمواجهة التهديدات الايرانية في مرحلة ما بعد هزيمة “الجماعات الارهابية” في سورية والعراق، وتغلغل النفوذ الايراني في البلدين، على حد وصفه.

الليلة الماضية كانت ليلة “عاصفة” فعلا، جاءت استمرارا لليال اخرى مماثلة حفلت بها الازمة الخليجية منذ بدايتها قبل مئة يوم تقريبا، فقد كانت بداياتها (اي الليلة) سعيدة، ومفاجئة، تمثلت في احتفال قناة “العربية”، الذراع الاعلامي الاقوى للتحالف الرباعي ضد قطر، ببث بيان حكومي عاجل، ورد على وكالة الانباء السعودية الرسمية، يؤكد ان الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، امير دولة قطر، بادر بالاتصال بالامير محمد بن سلمان، ولي العهد، عبر خلاله عن استعداده للجلوس على مائدة الحوار مع ممثلي الدول المقاطعة (بكسر الطاء)، ومناقشة مطالبها بما يحفظ مصالح الجميع، واكدت المحطة ان الامير محمد بن سلمان رحب بالاتصال ووعد برد رسمي بعد التشاور مع شركائه في التحالف.

***

هذا الخبر الذي جاء قبل منتصف الليل، ولا نعرف لماذا تأتي جميع انباء وتطورات الازمة الخليجية في ساعة متأخرة، اثار حالة من التفاؤل بقرب انتهاء الازمة، ولكن “الحلو لا يكمل”، مثلما يقول المثل العربي العامي، فبعد اقل من ساعة بثت “العربية” نفسها خبرا عن اتخاذ المملكة قرارا بوقف جميع الاتصالات مع دولة قطر، واعتبار موقفها المرحب باتصال الامير القطري “مجمّد” ريثما تؤكد دولة قطر حقيقة موقفها، وفتحت المحطة، اي العربية، شاشتها لمحللين سعوديين ومصريين هاجموا دولة قطر بشراسة، وتحدثوا عن “دولة عميقة” تدير شؤونها، واكدوا صراحة ان الامير تميم ليس صاحب القرار الاول والاخير، في تلميح الى والده، وان بلاده غير جادة في حل الازمة وتتمسك بسياسة “التسويف” السابقة.

كلمة السر التي فجرت موجة الغضب السعودي هذه كانت قناة “الجزيرة”، التي تشكل صداعا مزمنا للدول الاربع، ولهذا تصدرت المطالبة بإغلاقها الطلبات الـ 13 التي قدمتها لدولة قطر عبر الوسيط الكويتي لرفع الحصار وانهاء الازمة.

“الجزيرة” بثت بيانا رسميا تحدثت فيه عن “اتصالات” بين الشيخ تميم والامير بن سلمان، وبناء على تنسيق من قبل الرئيس ترامب، ولم تذكر ان الشيخ تميم هو الذي بادر بالاتصال، واوحت ان هذه الاتصالات جاءت تلبية لجهود الرئيس ترامب لحل الازمة، واعادت التأكيد على ان اي حوارات مستقبلية ستتم على ارضية احترام سيادة الدول.

الطرف السعودي يريد ان تظهر دولة قطر بمظهر الطرف المتنازل والمبادر بطلب المصالحة، والقبول بالمطالب الـ 13 كاملة، والتفاوض على آليات تطبيقها فقط، بينما يريد الطرف القطري في الناحية المقابلة ان يؤكد عدم تقديمه اي تنازلات تمس سيادته، وانه لبى طلبا من رئيس الدولة الاعظم في العالم.

الازمة الخليجية عادت الى المربع الاول، ومنسوب الثقة بين اطرافها انخفض الى ادنى مستوياته، وفرص التسوية السياسية باتت معدومة في المستقبل المنظور، الا اذا رفعت دولة قطر الراية البيضاء، وذهب اميرها الى الرياض طالبا الصفح والغفران، ولا نعتقد انه سيفعل هذا في الايام المقبلة على الاقل، لان جرح الكبرياء السعودي ازداد عمقا.

امير الكويت، الشيخ صباح الاحمد، اراد ان يضيف بعدا وصلابة امريكية لمبادرة بلاده اثناء زيارته لواشنطن واجتماعه بالرئيس ترامب يوم الخميس الماضي، ولكن النتائج جاءت عكسية تماما، وادى تدخل الرئيس الامريكي ومهاتفته لزعماء السعودية والامارات وقطر (جرى استثناء البحرين ومصر)، الى تعقيد الازمة، اكثر مما هي معقدة، وانطبق عليه المثل الذي يقول “جاء يكحلها عماها”.

هذه الازمة وتطوراتها كشفت انه لا سيادة لاي دولة خليجية، او حتى عربية، فمن يملك السيادة الحقيقية هو البيت الابيض وساكنه، واي حديث مخالف، هو مجرد ضحك على الذقون، وخداع للنفس.

***

الحل العسكري للازمة الخليجية، بات اقرب من اي وقت مضى في ظل انسداد الافق الدبلوماسي وتفاقم الخلافات، ولم يبالغ امير الكويت عندما اكد في مؤتمره  الصحافي في واشنطن ان وساطته منعت التدخل العسكري، ونعتقد انها “اجلته”.

العاصمة البريطانية لندن ستستضيف مؤتمر للمعارضة القطرية يوم الخميس المقبل، ويجري تحشيد اعلامي وسياسي كبير له، وعلى اعلى المستويات، وقد تكون هناك قنوات تتولى تغطية وقائعه على رأسها “العربية” و”سكاي نيوز عربية”، ومعظم القنوات السعودية والاماراتية، وتردد تكهنات بأن الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، “امير الظل” القطري، هو الذي سيقوم بإفتتاحه بالقاء خطاب فيه، ربما يتضمن “مفاجآت”.

لا نستبعد ان يتدخل الرئيس ترامب في الازمة بشكل مباشر في الايام المقبلة، ويفرض حلوله على جميع الاطراف، او يبدي انحيازا لصالح طرف ضد آخر، والارجح ان يميل الى المعسكر الذي يملك جيبا ماليا اعمق، وحجما سياسيا واقتصاديا اكبر، ويملك قدرة اكبر على فهم عقلية رجال الاعمال.. والله اعلم.