ما هي الأسباب الحقيقة لهجوم الحكومة العراقية على السيد نصر الله واتفاقه مع “الدولة الإسلامية”؟ ولماذا انحاز المالكي لـ”حزب الله” واتهم منتقديه بالجنون في إشارة للعبادي؟ وكيف ترى أمريكا المفاوضات مع “الدولة” “حلال” في تلعفر و”حرام” في القلمون؟

عبد الباري عطوان

الخلاف الذي “انفجر علانية” بين السيد حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق، والسيد حسن نصر الله، امين عام حزب الله على أرضية اتفاق القلمون الشمالي الذي سمح بترحيل 310 مقاتلين من “الدولة الإسلامية” وعائلاتهم الى البوكمال السورية على الحدود العراقية شرقا، هو الأول من نوعه بين الجانبين، وتقف خلفه الولايات المتحدة الامريكية، بطريقة او باخرى.

العقيد ريان ديلون، المتحدث باسم التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” او “داعش”، عبر عن هذا الدعم الأمريكي صراحة عندما اكد اقدام طائرات التحالف “أمريكية” على قصف الطريق وجسرا صغيرا لمنع الحافلة المكونة من 17 حافلة و11 عربة اسعاف من مواصلة سيرها باتجاه هدفها، واكد ان قصفا آخر قد يستهدفها في أي لحظة، لان أمريكا لن تسمح بإيجاد ملاذات آمنة للإرهابيين، ونقلهم من مكان الى آخر ليس حلا”.

المشكلة تكمن بالنسبة الى الأمريكيين في كون من توصل الى هذا الاتفاق علنا هو “حزب الله” وبمباركة سورية، وليس في نقل مقاتلي تنظيم الدولة من مكان الى آخر، فأعداد كبيرة من هذا التنظيم لجأت الى اقليم كردستان بعد معركة الموصل، وسلمت نفسها الى حكومتها، والشيء نفسه أقدمت عليه قوات سورية الديمقراطية المدعومة أمريكيا، في منطقة منبج في شمال غرب سورية، عندما سمحت لمقاتلي الدولة بالخروج منها الى مدينة الباب وريف حلب، ولم تعترض أمريكا مطلقا على هذه الخطوة، ولم تطالب بقتالهم حتى الموت.

وما يؤكد هذه النظرية، حالة الانقسام التي طفت على السطح في العراق على أرضية هذه الاتفاقية، فالسيد نوري المالكي، رئيس ائتلاف كتلة القانون، ونائب رئيس الجمهورية، تصدى بالرد على السيد العبادي الذي عارض الاتفاق بشدة، ووصفه، أي العبادي، بأنه إساءة الى الشعب العراقي بقوله، والكلام هنا للمالكي، “ان الاتفاق كان شأنا سوريا لا علاقة للعراق فيه، وان الحملة الممنهجة التي تستهدف حزب الله، والسيد حسن نصر الله وقراراه الصائب مغرضة وكل من يقف خلفها مختل عقليا”، في انتصار واضح لامين عام حزب الله، وسورية، والوقوف في الخندق المقابل للرئيس العبادي وحلفائه الامريكان وبعض العراقيين.

***

اخطر ما قاله السيد المالكي في بيانه هو “لماذا سُمح للمئات من داعش بالانسحاب من تلعفر بعد ان سلموا أسلحتهم لقوات البيشمرغة”، وتأكيده “ان المدينة (تلعفر) لم تُحرر بالقتال، وانما بإتفاق، وتساءل: فهل الاتفاق في العراق جائز وفي سورية محرم؟”.

هذه الخلافات تعكس في رأينا السيناريوهات والخلافات المتوقعة في المرحلة التي ستتلو “هزيمة” تنظيم “الدولة الإسلامية” في سورية والعراق، وابرزها تَقَاتُل حلفاء الامس الذين وحدّهم مشروع الحرب على هذه “الدول”، وجعلهم يضعون خلافاتهم جانبا.

فالسيد العبادي اختار الوقوف في صف الحليف الأمريكي، اما خصمه اللدود السيد المالكي فيقف بقوة في المعسكر الإيراني، ويدعم “حزب الله” وسورية، وزيارة السيد العبادي للسعودية مؤشر مهم في هذا الاطار، وسينعكس هذا الخصام في الانتخابات العراقية البرلمانية المقبلة.

الولايات المتحدة الامريكية لم تضرب مطلقا قوافل “الدولة الإسلامية” التي كانت تتوجه وسط صحراء قاحلة من الرقة بإتجاه الموصل قبل أربعة أعوام تقريبا، وهي التي تزدحم الأجواء السورية والعراقية بطائرات استطلاعاتها واقمارها الصناعية التي ترصد تحركات النمل على الأرض، لانها كانت، وبكل بساطة، تريد اسقاط حكومة المالكي الموالية كليا لإيران، والمتهمة بالطائفية والفساد.

ما تخشاه أمريكا ان تشهد الأيام المقبلة “تحالفا” غير مكتوب، وغير متوقع، بين بعض اجنحة “الدولة” وربما “حزب الله”، يخوض حربا ضد أمريكا وحلفائها في العراق، وربما يفيد التذكير بأن محافظة دير الزور كانت منطقة تجمع وحماية للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والقافلة كانت تتجه الى “البوكمال” المعبر الذي تسيطر عليه قوات تابعة لـ”الدولة الإسلامية”.

ربما يبدو هذا السيناريو مفاجئا وغير منطقي في نظر البعض، وهذا صحيح، ولكن هل جميع التحالفات على الأرض العراقية والسورية منطقية، الم تتغير عدة مرات سياسيا وميدانيا؟ الم توفر الإدارة الامريكية الحاضنة الدافئة لـ”الدولة الإسلامية” في العراق، ويقدّم حلفاؤها الدعم المالي والعسكري لها في سورية في بداية الازمة على امل التعجيل بسقوط النظام في سورية قبل ان تنقلب عليها؟ الم تدعم السلطات السورية المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي، وتقدم لها الدعم وتسّهل حركتها عبر الحدود، ومعظم عناصرها متطرفة؟

هناك مدرستان في كيفية التعامل ميدانيا مع “الدولة الإسلامية” وقواتها والفصائل الأخرى الموضوعة على قوائم الإرهاب في حالة صراع علني حاليا:

  • الأولى تضم سورية وحزب الله وايران، ومدعومة من روسيا، تقول بالتفاوض مع هذه المنظمات، وتوفير ممرات آمنة لها الى مناطق تحت سيطرتها، بعد هزيمتها في ميادين القتال، بهدف تجميعها في منطقة واحدة، ثم القضاء عليها اذا رفضت الاستسلام والقاء السلاح وحل نفسها، والوضع في ادلب افضل مثال في هذا الخصوص.

  • المدرسة الثانية، عراقية وتقول بضرورة قتال هذه المنظمات، وتنظيم “الدولة الإسلامية” خاصة، حتى الموت او الاستسلام، ومنع أي مفاوضات “علنية” معها، وتصريحات السيد العبادي وقوات الحشد الشعبي واضحة في هذا المضمار.

***

نحن الآن امام مرحلة استقطاب جديدة داخل التحالف السوري العراقي الإيراني، محورها جناحان، الأول بضم السيد العبادي، والتيار الصدري، وبعض القوى السنية، ويحظى بدعم الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، والثاني يضم حزب الله في لبنان، والسيد المالكي والحشد الشعبي في العراق، ويحظى بدعم ايران وسورية وروسيا.

لا نستبعد ان تنضم تركيا الى المحور الثاني، أي السوري الإيراني الروسي، بسبب تدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة، ودعم الأخيرة لمشروع قيام كيان كردي على طول حدودها الجنوبية مع سورية والعراق، وشمال غرب ايران، وربما يكون هذا عنوان الحرب الاقليمية المقبلة.

الرئيس التركي رجب طيب اردوغان سيقوم بعد عطلة عيد الأضحى بزيارة على درجة كبيرة من الأهمية، استراتيجيا وعسكريا، للعاصمة الإيرانية، ونتوقع ان تسفر عن خريطة سياسية جديدة، تبلور تحالفا جديدا، تلعب فيه البلدان المذكورة دورا محوريا، في مواجهة التحالف الأمريكي الكردي الخليجي، ويجد كل الدعم والمباركة من الرئيس فلاديمير بوتين.. والله اعلم.