لماذا نتعاطف مع “ذئب” بيونغ يانغ في وجه الاستكبار الامريكي؟ وكيف يتحدث صهر ترامب عن المحسوبية وهو ابرز نجومها؟ وهل ستقصف امريكا كوريا الشمالية نوويا؟ وهل الاستسلام يحتاح الى خبرة ودراسة؟

عبد الباري عطوان

لا نخفي في هذا الصحيفة، تعاطفنا مع كوريا الشمالية ورئيسها “المقدام” كيم جونغ اون، لانه ربما يكون الوحيد الذي يجاهر بتحديه للولايات المتحدة الامريكية، وتمسك بحق بلاده في تطوير اسلحة نووية، وصواريخ باليستية، تؤهلها للدفاع عن نفسها في مواجهة اي عدوان امريكي محتمل.

هذا التعاطف ليس مرده الى كون هذا الرجل يمثل ديفيد الضعيف في مواجهة “غولايش” القوي العملاق، مثلما تقول الاسطورة، وانما لان الولايات المتحدة “تبتزنا” وتنهب اموالنا، وتشعل مناطقنا بالحروب والغزوات، وتبحث عن اي عدو للعرب والمسلمين لتدعمه، ونحن لا نتحدث هنا عن اسرائيل فقط.

نقول هذا الكلام تفسيرا لكتاباتنا المتوالية عن الازمة المتفاقمة هذه الايام، بين ادارة الرئيس دونالد ترامب وكوريا الشمالية، ودخولها دائرة التوتر الاعلى، وتزايد حدة التهديدات بالقصف الصاروخي، وربما الحرب النووية بين الجانبين.

***

من مفارقات هذه الازمة ان الادارة الامريكية ورموزها باتت تهبط الى مستوى الجيوش الالكترونية العربية في حربها الكلامية ضد كوريا الشمالية، ورئيسها، مثل اتهام مسؤولين امريكيين للرئيس جونغ اون بأنه “الولد السمين”، او “البلابوي الصغير”، و”الرئيس المهرج”، حتى ان السيدة نيكي هيلي استفزت الجميع عندما وصفته، اي الرئيس جونغ اون، بأنه “مجنون”، وهو الاتهام الذي ظل “علامة مسجلة” للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

الغضب على قدر الالم، مثلما تقول القاعدة الانسب في هذا المضمار على الاقل، اغرب هذه المفارقات واكثرها اثارة للغيظ، غيظنا على الاقل، ان يخرج علينا جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب في حديث على قناة “فوكس نيوز″ الاثيرة على قلب اب زوجته، ويقول بكل ثقة ان كيم جونغ اون، رئيس كوريا الشمالية “شخص غير مؤهل اطلاقا، لانه يفتقر الى الخبرة في السلطة والادارة، ولم يطور مهاراته العملية التي تؤهله للتعاطي مع المسؤوليات الكبرى التي يركزها بين يديه”، ويواصل كوشنر “هذا الرجل حصل على موقعه في قمة السلطة من خلال المحسوبية والوراثة”.

سبحان الله، معظم اصدقاء كوشنر الخلص، وفي الوطن العربي خاصة، حصلوا على مناصبهم بالمحسوبية والواسطة، والوراثة، وعلى رأسهم الامير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، وحاكمها الفعلي، والاهم من كل هذا وذاك، ان كوشنر نفسه، الذي يحتل منصب المستشار الاول لعمه ترامب، حصل  على هذه المكانة لانه زوج بنت الرئيس، لا اكثر ولا اقل، والصراحة يمكن ان تكون جارحة في معظم الاحيان.

نعود الى الازمة الكورية الشمالية نفسها، ونتوقف عند تهديدات الرئيس ترامب بتحويل بيونغ يانغ الى ارض محروقة، واستخدام القوة الامريكية الجبارة، التقليدية والنووية، بأنهاء نظامها، وكل هذه التهديدات لانها طورت صواريخ باليستية قادرة على الوصول الى الارضي الامريكية، وتستمر في تجاربها في هذا الصدد.

هذه التهديدات لم تهز شعرة في رأس الرئيس الكوري الشمالي، ورد عليها بوضع قيادته العسكرية خطة لاطلاق صواريخ باليستية (اربعة صواريخ) بإتجاه القاعدة العسكرية النووية الامريكية في جزيرة غوام في المحيد الهادي، (تبعد حوالي 3500 كيلومتر من السواحل الكورية).

كيم جونغ اون لا يريد ان يضرب القواعد الامريكية مباشرة، وانما ايصال صواريخه الى منطقة تبعد عنها حوالي 40 كيلومترا، لفرد عضلاته امام الولايات المتحدة والعالم، واحراج الرئيس ترامب، واختبار قدراته الدفاعية، وفشله في الاختبار، اي في التصدي للصواريخ الكورية، سيكون كارثة لامريكا وسمعتها وهيبتها العسكرية.

***

ريكس تيلرسون، احد “عقّال” الادارة الامريكية، وهم قلة على اي حال، حاول التخفيف من تهديدات رئيسه، وقال ان بلاده مستعدة للحوار لحل الازمة مع كوريا الشمالية، وحصر المشكلة معها ليس في تجاربها النووية، وانما في تجاربها الصاروخية الباليستية، وتفضيله للعقوبات الاقتصادية التي جرى تشديدها قبل ايام على الحلول العسكرية.

 العقوبات الدولية الجديدة التي فرضها مجلس الامن بضغط امريكي لن تدفع كيم جونغ اون للتخلي عن تجاربه الباليستية، ناهيك عن النووية، حتى لو كانت ستكلف خزينته مليار دولار سنويا، لان الصين وروسيا وتايلند تستودر معظم الحديد والفحم والاسماك من كوريا الشمالية، واذا امتثلت هذه الدول للقرار، فإن ايران جاهزة للنزول الى الميدان، جنبا الى جنب مع الفلبين الدولة “العاقة” امريكا.

الشتائم الامريكية، والاوصاف المقذعة، لن ترهب الرئيس الكوري، فهو ليس زعيما عربيا، واذا كانت الخبرة في الحكم تعني الاستسلام، ورفع الرايات البيضاء مع اول تهديد امريكي، فهو قطعا في غنى عنها، ولا يحتاجها، لانه يدرك، وبكل بساطة، ان من استسلموا لم يحصلوا الا على الاهانات والاذلال والابتزاز؟

اعرفتم لماذا نتعاطف مع الرئيس الكوري في وجه الطغيان الامريكي؟ نأمل ذلك.