الوساطة الكويتية تواجه صعوبات خطيرة بعد مقالة الراشد التي ذكّر فيها الكويتيون بدور “الدول الأربع″ في تحرير بلادهم..  انها رسالة سعودية تريد الكويت عضوا خامسا في تحالفها ضد قطر وليس وسيطا.. كيف سيكون رد الكويت؟ وهل ستستمر في الوساطة؟

 

 

عبد الباري عطوان

علمتنا تجارب المنطقة العربية، وما اكثرها، انه عندما يتحرك الوسطاء بحثا عن حلول لازمة ما، فان هذا يعني ان هذه الازمة في طريقها الى المزيد من التدهور، ولا بد من عمل سريع لنزع فتيل الانفجار، وتهدئة الأوضاع، حتى يهدأ الغبار، وتتراجع حدة الغضب.

لا نعرف ما اذا كانت هذه “القاعدة” تنطبق على جهود الوساطة الكويتية التي تجددت في اليومين الماضيين في الازمة الخليجية، وتمثلت في الجولة التي يقوم بها الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي، وتشمل عواصم اطراف الازمة الخمسة، الى جانب سلطنة عمان، بعد مرحلة من الصمت دامت لاكثر من ثلاثة أسابيع.

مصادر كويتية رفيعة اكدت ان الشيخ صباح الأحمد، امير دولة الكويت، استطاع الحيلولة دون حدوث مواجهة عسكرية بين دولة قطر وخصومها الأربعة، عندما طار في جولة مكوكية بين الرياض وأبو ظبي والدوحة، في الساعات الأولى من الازمة، وقالت المصادر نفسها في لقاء خاص في لندن، وصل مضمونه الى “راي اليوم”، ان الشيخ صباح تحرك بسرعة، وهو مريض جدا، لادراكه خطورة الموقف، ونجح في امتصاص الغضب، وان كان لم ينجح في إيجاد حلول سريعة للازمة بسبب تمسك طرفيها بآرائهم وشروطهم.

***

اللافت ان جولة الوفد الكويتي برئاسة نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، وعضوية الشيخ محمد عبد الله المبارك الصباح، تتزامن أيضا مع زيارة وفد امريكي ارسله ريكس تيلرسون، وزير الخارجية، الى المنطقة برئاسة الجنرال انطوني زيني، نائب وزير الخارجية ليندر كينغ، بهدف دعم الوساطة الكويتية، ومحاولة إيجاد حلول للازمة.

لا يلوح في الأفق، في الوقت الراهن على الاقل، أي مؤشر على وجود توتر، او “تسخين”، للازمة الخليجية يستدعي التوسط للتهدئة، اللهم الا اذا كانت هناك قرارات جرى اتخاذها في اجتماع وزراء خارجية التحالف الرباعي المضاد لقطر في الدوحة وجاءت على درجة كبيرة من الخطورة، ستنتقل في الأيام المقبلة الى مرحلة التنفيذ، واستشعرت الكويت والولايات المتحدة بقرونها الاستخبارية هذا الخطر، وتحركت لاحتوائه، ام ان هناك تغيرا في الموقف الكويتي، وحماسة للوساطة بسبب تطورات خطيرة طرأت مؤخرا.

دولة الكويت تتعرض لضغوط كبيرة من قبل الطرف السعودي، تصل الى درجة اتهامها بالانحياز الى دولة قطر، ونكرانها لجميل المملكة العربية السعودية التي انفقت عشرات المليارات، وعرضت امنها واستقرارها للخطر، عندما استقدمت نصف مليون جندي امريكي لاخراج القوات العراقية من الكويت في صيف عام 1990، ومقالة الزميل عبد الرحمن الراشد التي نشرها في صحيفة “الشرق الأوسط”، المقربة جدا من القيادة السعودية، تضمنت هذه المعاني، وجرى تفسيرها على انها “رسالة غضب” سعودية موجهة الى الاسرة الحاكمة في الكويت، صادرة من جهات في قمة السلطة في المملكة، وهذا ما يفسر الانباء التي ترددت عن منعها، أي السلطات الكويتية، دخول صحيفة “الشرق الأوسط” من التوزيع في الأراضي الكويتية.

الزميل الراشد حاول تذكير القيادة الكويتية بأن قطر “كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي حاولت عرقلة تحرير الكويت بمنعها صدور قرار عن مجلس التعاون يتبنى الحرب العسكرية لتحرير الكويت في اجتماع قمة ديسمبر عام 1990، حيث أصّر ولي العهد في حينها الشيخ حمد بن خليفة على انه لا تحرير للكويت الا بعد اجبار البحرين على التنازل عن الجزر المتنازع عليها مع قطر، مما اغضب الدول الخمس، واجبروه على التراجع او مغادرة الدوحة”.

لا نعتقد ان الزميل الراشد يمكن ان ينشر مقالة بهذه القوة، وينتقد فيها موقف دولة خليجية تقوم بجهود وساطة في الازمة، ويتهم اعلامها بالترويج للدعاية القطرية، وتشبيه ازمة قطر بإحتلال الكويت، دون اخذ ضوء اخضر من جهات عليا في السلطة السعودية، فأبواب الاجتهاد الإعلامي ليست مفتوحة على مصراعيها امام الكتاب في المملكة.

عندما يقول الزميل الراشد “ان على الاخوة في الكويت ان يتذكروا ان هذه الدول الأربع (السعودية، مصر، الامارات، البحرين) هي التي هبت لنجدة بلدهم عندما اسقط صدام نظامها، ومن الوفاء ان تقف الكويت الى جانبها، او على الأقل الا تترك ساحتها للاستخدام القطري سياسيا واعلاميا واقتصاديا” فإن هذا يعني ان العلاقات بين الكويت والمملكة العربية السعودية “متأزمة”، او في طريقها للتأزم، وان السعودية لا تريدها، أي الكويت، ان تكون وسيطا، وانما عضوا خامسا في التحالف المعادي لدولة قطر، وعليها الاختيار.

***

في ظل هذه الأجواء المتوترة بين الكويت والمملكة العربية السعودية، لا نعتقد ان أي استئناف للوساطة الكويتية يمكن ان يكون افضل حظا من المحاولات السابقة، بل لا نستغرب ان تكون الرسائل التي يحملها الوفد الكويتي من الشيخ صباح الأحمد الى زعماء الدول العربية والخليجية التي سيزور عواصمها، تحمل اعتذارا عن المضي في الوساطة في ظل الظروف الحالية، وابرز ملامحها العلاقة الكويتية السعودية “الباردة”، ولا نقول اكثر من ذلك، وتمسك كل طرف من اطراف الازمة بموافقة ورفض تقديم أي تنازلات للطرف الآخر.

الوسيط الكويتي، بات بحاجة الى وسيط لترطيب علاقاته مع ابرز اطراف الازمة، أي المملكة العربية السعودية، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.. والله اعلم!