هل اخطأ المعارض المحاميد واستحق الفصل لانه جاهر بانتهاء الحرب في سورية؟ وهل تبخر “الجيش الحر” فعلا؟ وما هي الأسباب؟ وهل سيدفع “اليأس″ المعارضة والسوريين للحوار مع دمشق؟ وهل سيتكرر “سيناريو عرسال” في ادلب قريبا جدا؟

عبد الباري عطوان

لم يجاف السيد خالد محاميد، عضو وفد المعارضة السورية في مفاوضات جنيف، الحقيقة، ولم ينطق كفرا، في رأينا، عندما قال في مقابلة صحافية “ان الحرب في سورية انتهت بالنظر الى المعطيات والوقائع على الأرض وفي ميادين القتال”، في إشارة الى اتفاقات تخفيف التصعيد التي تمت في اطار تفاهمات أمريكية روسية تمخضت عن وقف لاطلاق النار يترسخ يوما بعد يوم.

هذا الاعتراف “الخطيئة”، كان “صادما” للهيئة العليا للمفاوضات، ومقرها الرياض، لانه وحسب بيانها، “يتعارض مع توجهات الهيئة”، ومُكلفا في الوقت نفسه للسيد محاميد لانه “تقرر فصله من الوفد المفاوض”، وربما من الهيئة العليا وعضويتها أيضا.

الجيش السوري الحر الذي يمثل الجناح العسكري للهيئة العليا للمفاوضات، ومن المفترض ان يخوض المعارك ضد قوات الجيش السوري، تآكل بشكل متسارع في الفترة الأخيرة لعدة أسباب، نلخصها في النقاط التالية:

  • الأولى: اقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبتوصية من جورج بومبيو، مدير عام وكالة المخابرات المركزية الامريكية، على انهاء برنامج تدريب فصائل الجيش الحر وتسليحها، لان هذه البرامج مكلفة (بلغت تكاليفها مليار دولار)، وغير فعالة، وقوة قتالية جوفاء، حسب توصيف الأخير، أي المستر بومبيو.

  • الثانية: ان معظم الأسلحة الامريكية التي تم تزويد “الجيش الحر” بها، جرى تسريبها، او بيعها، الى هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا)، كما ان عناصر من فصائل الجيش الحر انضمت الى “النصرة”، او الى “الدولة الإسلامية” او “داعش”، تماما مثلما حدث للجيش الافغاني الذي انفقت عليه الولايات المتحدة حوالي 25 مليار دولار تدريبا وتسليحا، وكانت طالبان، وما زالت، المستفيد الأكبر، من عناصره واسلحته معا.

  • الثالثة: تلقت الولايات المتحدة تقارير مؤكدة تفيد بأن بعض عناصر هذا الجيش اعدمت جنودا اسرى من الجيش السوري، او عرضتهم للتعذيب البشع، الامر الذي يشكل “حرجا” للمؤسسة العسكرية الامريكية ومعاييرها.

  • الرابعة: تقدم الجيش السوري ووحداته في شمال سورية، واستعادته معظم المناطق التي كان يسيطر عليها “الجيش الحر”، مما ضيق الخناق عليه وعلى حرية حركته، بالإضافة الى رفض الكثير من عناصره الانخراط في حرب ضد جبهة النصرة، و”الدولة الإسلامية” بطلب امريكي، أي التحول الى “قوات صحوات”.

  • الخامسة: قصف الطيران الروسي المستمر والمكثف جنبا الى جنب مع طائرات سلاح الجو السوري.

***

فصل الهيئة العليا للمفاوضات للسيد محاميد سينعكس سلبا عليها، وفي وقت تواجه فيه حالة من العزلة والاضمحلال، لان الرجل عبر عن وجهة نظره أولا، وهذا من حقه، ولان الهيئة من المفترض انها تلتزم بالاعتبارات الديمقراطية ومقتضياتها، وتريد ترسيخها، وكل ما يتفرع عنها من حريات في “سورية الجديدة” التي وعدت السوريين بإنشائها كبديل للنظام السوري الديكتاتوري، حسب ادبياتها.

السيد رياض حجاب، رئيس الهيئة التقى واعضاؤها امس بالسيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، وكان لافتا، بالنسبة الينا على الاقل، ان السيد الجبير لم يكرر جملته الاثيرة على قلبه بحتمية رحيل الرئيس الأسد من السلطة بالقوة، او المفاوضات، لا اثناء اللقاء ولا بعده، وهذا يؤكد قول السيد محاميد، ونسبة لا بأس بها في المعارضة السورية، بأن الحرب انتهت، وان مموليها تغيرت اولوياتهم، وباتوا غارقين في حرب دموية في اليمن من الصعب الانتصار فيها، وأخرى سياسية ضد قطر، شريكتهم الأبرز في الملف السوري.

الدكتور برهان غليون، اول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض، عكس ما يدور في اذهان الكثيرين في النخبة السورية المعارضة والمحايدة، عندما طرح في مقالات نشرها في الأيام الأخيرة سؤالا مهما: “هل يفتح يأس السوريين باب الحوار الوطني المطلوب”؟، واعترف بأخطاء جوهرية ارتكبتها المعارضة “المعتدلة”، ابرزها التعويل على الخارج، والامريكي بالذات، والسماح بتحويل الازمة السورية من ازمة سياسية الى ازمة إنسانية، والرهان على إنسانية المجتمع الدولي ومبدئيته، وحدوث انقسام في المجتمع السوري، وأخيرا تسليح المعارضة، وخطفها من قبل الإسلام السياسي المتطرف وفصائله.

***

الجيش السوري الذي احتفل بذكرى تأسيسه قبل أيام معدودة، حقق مكتسبات كبيرة على الأرض بعد صمود استمر سبعة أعوام، وبدعم من حلفائه الروس والإيرانيين وحزب الله، وبينما لم يقدم داعمو المعارضة لها غير الانقسامات والشعارات، وعلى رأسهم الامريكان، ومعظم الأوروبيين، وكل العرب، دون أي استثناء.

انتصار “حزب الله” وقواته في جرود عرسال، ورحيل اكثر من 8000 شخص من مقاتلي “النصرة”، واسرهم ولاجئين آخرين، بإتجاه ادلب في اطار اتفاق مع الحزب، ربما تكون المرحلة قبل النهائية لاسدال الستار على المعارضة السورية المسلحة، المعتدلة والارهابية معا، اما المرحلة النهائية فربما تكون بعد تكرار سيناريو عرسال في ادلب، ويبدو ان هذه اللحظة باتت وشيكة جدا، ان لم تكن قد بدأت فعلا.