هل يكفي قطع العاهل الاردني اجازته الصيفية ومطالبته نتنياهو بمحاكمة “الدبلوماسي” القاتل في امتصاص غضب الشارع الأردني؟ وهل يفلت من سهلوا تهريبه من العقاب؟ ولماذا طفح كيل الشعب الأردني؟

عبد الباري عطوان

ان يقطع العاهل الأردني عبد الله الثاني اجازته الصيفية ويعود الى الأردن للتعاطي “شخصيا” مع تداعيات مقتل مواطنين أردنيين اثنين على يد احد حراس السفارة الإسرائيلية في عمان، فهذا يعني ان الحكومة الأردنية فشلت في التصرف بشكل قوي يرتقي الى مستوى هذه الإهانة، وان حالة الغليان في الشارع الأردني، كرد فعل على هذا الفشل، ما زالت في تصاعد، وتحتاج الى جهود وإجراءات خارقة لامتصاص الاحتقان او تخفيفه.

بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي تعمد احتقار الأردن، وانتهاك سيادته، وجرح كبرياء شعبه، عندما احتضن قاتل الشهيدين بطريقة استعراضية، واعرب عن سعادته برؤيته، وعودته بشكل سريع، والتأكيد على انه يمثل إسرائيل التي هرعت لانقاذه، وعامله، وهو القاتل الإرهابي، معاملة الابطال.

وصف العاهل الأردني لتصرفات نتنياهو الاستفزازية هذه بأنها “استعراض” يريد من ورائه تحقيق مكاسب سياسية، وتشديده على ضرورة اتخاذه، أي نتنياهو،  إجراءات قانونية تضمن محاكمة القاتل، خطوة مشروعة ولكنها لا تكفي وحدها، ولا بد ان تتلوها خطوات وإجراءات أخرى تلقن الإسرائيليين درسا لا ينسوه حتى لا يكرروا هذا التطاول المهين والمتكرر على الأردن، وسيادته، وكرامته، وشعبه، والأمة العربية كلها من خلفه.

***

الشعب الأردني الذي يتمتع بجرعة كرامة وطنية عالية غير موجودة في كثير من الشعوب الاخرى، يشعر بالاهانة من جراء التعاطي “الرخو” من قبل حكومته الحالية بالذات مع العدو الإسرائيلي، ابتداء من توقيع صفقة الغاز المعيبة، وانتهاء بإدارتها السيئة والمتخاذلة مع قاتل المواطنين الأردنيين الشهيدين، والسماح لهما بالمغادرة وبهذه السرعة، تحت حجج وذرائع غير مقبولة، فندها الخبراء في المعاهدات الدولية.

لا نتردد مطلقا في مطالبة السلطات الأردنية، ليس بالرد القوي والحازم على موقف نتنياهو المهين، والمس بهيبة الأردن وشعبه فقط، وانما أيضا محاكمة المسؤولين الأردنيين الذين سهلوا او غضوا النظر، عن عملية تهريب القاتل والدبلوماسيين الآخرين، وشجعوا نتنياهو على هذا الاستهتار بالأردن وهيبته.

الشعب الأردني يعاني من جرح غائر في كرامته وعزة نفسه، من جراء هذا التطاول الإسرائيلي المتكرر، ولا بد من إجراءات وردود فعل حاسمة وحازمة لرد اعتباره من قبل قيادته، ويكفي التذكير بأن العاهل الأردني الراحل الملك حسين، هدد بإلغاء معاهدة وادي عربة، اذا لم تقدم إسرائيل المصل اللازم لإبطال السم في جسم السيد خالد مشعل، زعيم “حماس″، ولم يهدأ الا عندما افرج عن الشيخ احمد ياسين، وكل الاسرى الأردنيين في سجون الاحتلال.

هذا الشعب صبر طويلا على هذه الاهانات الإسرائيلية، ومطالبته بالجهاد، واغلاق السفارة الإسرائيلية، وإلغاء معاهدة السلام، نهارا جهارا، اثناء تشييعه للشهيدين يؤكد ان كيله طفح، ولم يعد يحتمل المزيد.

***

نتفق مع العاهل الأردني بأن موقف نتنياهو المستفز هذا يفجر غضبه والشعب الأردني، ويؤدي الى زعزعة الامن ويغذي التطرف في الأردن والمنطقة، ولكن النتائج ستكون اخطر اذا ما ظل هذا الاستفزاز دون رد، والأردن محاط بالتطرف والمتطرفين من جهاته الأربع، والمنطقة مقبلة على مرحلة من الإرهاب قد تكون غير مسبوقة.

الشعب الاردني الذي يعاني من الغلاء الفاحش، والظروف المعيشية الصعبة جراء ارتفاع الأسعار، وتحميله أعباء العجوزات في الميزانية من قبل الحكومة، نتيجة خذلان الاشقاء في الخليج، واستفحال الفساد، مستعد ان يستمر في التحمل، وان يصبر قليلا محبة في بلده، وحفاظا على امنها واستقرارها، ولكنه لا يمكن ان يقبل او يتحمل جرح كرامته الوطنية على يد المحتل والعدو الإسرائيلي خاصة، ومن يرى غير ذلك لا يعرف هذا الشعب ورصيده الضخم جدا من الوطنية، والكرامة، والاباء، والشهامة، وعزة النفس.