ما علاقة الجامعة العربية بسورية حتى تتحدث عن ثوابتها؟ وكيف “همشها” الذين استخدموها كأداة لتقسيم الامة وتفتيتها طائفيا؟ ولماذا لا نتعاطف معها ونتأسف للوضع المهين الذي انحدرت اليه؟

عبد الباري عطوان

قليلة هي الانباء القادمة من الجامعة العربية او عنها، فمنذ ان تولى السيد احمد ابو الغيط منصب الامين العام فيها خلفا للسيد عمرو موسى، اختفت هذه المنظمة الإقليمية من الساحة السياسية كليا، بعد ان كانت شعلة من الحركة والنشاط الدموي طوال السنوات السبع الماضية، حيث جرى استخدامها لتشريع التدخل العسكري الأمريكي، وبتواطؤ عربي، لتدمير عدة دول عربية ابتداء من العراق، ومرورا بليبيا وانتهاء بسورية واليمن.

من المفارقة ان الدول العربية الخليجية التي استخدمت الجامعة كأداة لتنفيذ مخططات التفتيت والتدمير هذه، تواجه حروبا سياسية واقتصادية في ما بينها حاليا، ربما تتطور الى مواجهات عسكرية، وتتعرض لعملية ابتزاز مالي أمريكية لامتصاص كل ما لديها من مئات المليارات من الدولارات، قد تتطور، أي عمليات الابتزاز هذه، الى رهن كل ثرواتها النفطية، واجبارها على بيع مؤسسات الدولة التي هي ملك الشعب، لتلبية وتمويل المطالب الامريكية المالية الحالية والقادمة، ولعل مشاريع المملكة العربية السعودية في بيع أجزاء من شركة “أرامكو” النفطية، وخصخصة مطار الرياض، ما هي الا البداية، لقد انقلب السحر الأسود على أصحابه.

***

فاجأنا السيد احمد ابو الغيط، امين عام الجامعة اليوم الأربعاء، وبعد غياب طويل عن الساحتين الإعلامية والسياسية، ليس تعففا وانما اهمالا، بالحديث عن ثوابت الموقف العربي تجاه الازمة السورية، التي لخصها بالحفاظ على وحدة وسيادة سورية، وحقن دماء أبنائها، ورفض أي مخططات للتقسيم، وايصال المساعدات الإنسانية لاهلها.

لا نعرف ما هي علاقة الجامعة العربية بسورية في الوقت الراهن، فهذه الجامعة، وفي ظل الهيمنة الخليجية عليها، في بداية ما يسمى بثورات “الربيع العربي” جمدت عضوية سورية فيها، واعطت قمة الدوحة العربية مقعدها للمعارضة السورية، ووضعت علمها، أي المعارضة، اما السيد معاذ الخطيب الذي جلس على مقعدها (اين هو بالمناسبة)، والقى كلمة سورية امامها، في سابقة لم تحدث الا مرتان قبل ذلك، وهي تجميد عضوية ليبيا قبل ذلك بعام، وقبلها مصر بسبب توقيعها اتفاقات “كامب ديفيد”، فقد كان هناك زعماء عرب في تلك الأيام يتحلون بالحد الأدنى من العروبة والكرامة الوطنية.

ليس من حق الجامعة العربية، في وضعها الحالي على الأقل، الحديث عن الموقف العربي وثوابته في سورية، ومعارضة تقسيمها او المساس بسيادتها، لأنها هي التي مهدت لهذا التقسيم، بدعمها لإرسال المليارات من الدولارات وآلاف الاطنان من السلاح للجماعات المسلحة، التي زعزعت امنها واستقرارها، كما انه ليس من حقها التدخل في الشؤون الليبية، او اليمنية ايضا، فمن وفر الغطاء “الشرعي” لقصف الناتو لليبيا، وصمت على حرب الإبادة والتجويع في اليمن، وبارك الحصار ومن ثم الحرب على العراق، لا يحق له ان يبحث في القضايا العربية ويتحدث عن ثوابتها.

***

الجامعة العربية تستحق حالة التهميش التي تعيشها حاليا، ومن الدول الخليجية التي تحكمت بقراراتها طوال السنوات الماضية، وبرضاء امنائها العامين ومباركتهم، وحرصا على مراكزهم ذات الرواتب والبدلات المغرية فهؤلاء وكبار مساعديهم قبلوا تحويلها الى أداة تدمير وتخريب وتفتيت، ولم نسمع مطلقا ان دماء الكرامة والعزة تحركت في شرايين احدهم واستقال احتجاجا.

اليس عيبا ان تفشل هذه الجامعة، وبتحريض من دول خليجية، في عقد اجتماع، ولو على مستوى المندوبين، لبحث مؤامرة التهويد الإسرائيلية للقدس المحتلة، اليس عارا ان يتدخل كل وزراء طوب الأرض في الازمة الخليجية، الا هي وامينها العام، وأليست مأساة ان تستضيف فرنسا قطبي الازمة الليبية السيد فايز السراج والمشير خليفة حفتر، وتتوصل الى مصالحة وخريطة طريق للسلام في ليبيا دون أي تشاور، او حضور ولو بروتوكولي لمندوب الجامعة، ناهيك عن امينها العام؟

عندما تقبل الجامعة وامينها العام، وكبار موظفيها كل هذا التهميش، وتكرس سمعتها كوسيلة عيش لطابور طويل من أبناء الوزراء وكبار علية القوم، والسفراء المتقاعدين، فلا اسف عليها، ولا تعاطف معها، فمن يهن يسهل الهوان عليه.