ماذا يخبيء “الساحر” اردوغان في جعبته من “مفاجآت” اثناء جولته الخليجية؟ وما هي الأسباب التي تجعل حظوظ وساطته “محدودة”؟ ولماذا يريد التقرب من السعودية الآن؟ وهل ترحم الشيخ بن زايد على “شهداء” الأرمن ردا على انحيازه لقطر؟

عبد الباري عطوان

تكاثرت الوساطات، والوسطاء، الباحثين عن مخرج للازمة الخليجية الحالية حتى بات احصاؤها، وتذّكر أسماء من قاموا بها من وزراء خارجية، اكثر تعقيدا من الازمة نفسها، وكل هذا دون ان تكمل الشهرين من عمرها.

الرئيس رجب طيب اردوغان الذي بدأ اليوم جولة خليجية تشمل ثلاث دول هي السعودية والكويت وقطر، سيكون الوسيط الخامس، بعد وزراء خارجية المانيا وبريطانيا وامريكا وفرنسا، ولا نحسب الكويت باعتبارها من اهل البيت الخليجي، ولا حتى السيدة فيديريكا موغيريني، وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، لانها لا تمثل دولة، ولا نعتقد ان حظوظه في النجاح، أي الرئيس اردوغان، ستكون افضل من حظوظ من سبقوه، لعاملين رئيسيين، ربما يجعلا من مهمته هذه اكثر صعوبة وتعقيدا:

  • الأول: الخطاب الذي القاه الشيخ تميم بن خليفة آل ثاني امير دولة قطر مساء الجمعة، وتضمن لهجة طابعها التحدي، ورفض الاملاءات والتهديدات والإصرار على حل الازمة بالحوار غير المشروط.

  • الثاني: وصول الدفعة السادسة من القوات التركية الى الدوحة، مما يؤكد مجددا انحياز تركيا سياسيا وعسكريا الى الطرف القطري في هذا الصراع، وهو انحياز لم ينفه الرئيس التركي، بل أكده في المؤتمر الصحافي الذي عقده قبيل مغادرته الى مدينة جدة، حيث أشاد “بعقلانية قطر وتعاملها مع الازمة بعقل سليم وبصيرة تامة، وبذل جهود كبيرة لحل الخلاف عن طريق الحوار”.

***

توقع الكثيرون، ونحن من بينهم، ان تكون الليونة، او المرونة، طابع خطاب الأمير تميم الأول منذ الازمة (5 حزيران)، بحيث يتضمن قبول بعض المطالب الذي تقدم بها خصومه الأربعة (13 مطلبا)، اذا تعذر قبولها كلها، من اجل إنجاح وساطة الحليف التركي، ولكن مضمون الخطاب كان اكثر تمسكا بالثوابت القطرية، أي رفض الوصاية او المس بالسيادة.

لا نعرف ما في جعبة الرئيس التركي من خطط او نهج مختلف يميز وساطته عن الوسطاء السابقين، ولكن ما نعرفه ان دولتين من الدول الأربع في التحالف المعادي لقطر لا ترحبان بهذه الوساطة، وهما مصر ودولة الامارات العربية المتحدة.

فالزيارة التي قام بها يوم الأربعاء الماضي الشيخ عبد الله بن زايد وزير خارجية الامارات الى “نصب شهداء الإبادة الجماعية للارمن” في اطار زيارته الرسمية لارمينيا، وقبل أيام معدودة من جولة اردوغان الخليجية، رسالة مهمة في هذا الصدد، وربما الرد أيضا على استبعاد ابو ظبي من هذه الجولة أيضا، فهناك حساسية خاصة جدا لدى تركيا، والرئيس اردوغان بالذات، تجاه هذه المسألة التي تتضمن اتهاما مباشرا لها بارتكاب “إبادة جماعية” لمئات الآلاف من الأرمن مطلع القرن الماضي، وهو ما تنفيه كليا.

وسائل الاعلام التركية، والعربية الأخرى المتعاطفة معها، لم تتوقف طوال الأسابيع الماضية من شن حملة شرسة ضد دولة الامارات واتهامها بتمويل المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز (يوليو) الماضي.

وكالة الانباء الإماراتية الرسمية (وام) رشت المزيد من الملح على الجرح التركي عندما قالت “ان الشيخ بن زايد وضع إكليلا من الزهور على النصب التذكاري الذي يخلّد ذكرى الأرمن الذين قتلوا على ايدي السلطات العثمانية ثم وقف دقيقة صمت على أرواح شهداء الإبادة الجماعية للارمن”.

استخدام توصيف “الشهداء” في اشارة الى ضحايا الأرمن، ووضع اكليل من الزهور على نصبهم التذكاري، يعتبر في نظر الاتراك “استفزازا” غير مسبوق، خاصة من دولة إسلامية مثل الامارات، ومن قبل وزير خارجيتها، احد ابرز شيوخ الاسرة الحاكمة.

الدول الأربع التي تقف في المعسكر المقابل لدولة قطر، تعتبر تركيا طرفا في الازمة، وكان اغلاق القاعدة العسكرية التركية في الدوحة ابرز المطالب التي قدمتها لدولة قطر، وطالبت بتنفيذها حرفيا دون أي نقاش،  وهناك من يروج بأن وجود هذه القوات التركية حال بطريقة او بأخرى، دون التدخل العسكري و”دوّل” الازمة.

وما اغضب هذه الدول، ليس تدفق الجنود الاتراك بعتادهم الثقيل الى هذه القاعدة على دفعات فقط، وانما أيضا الجسر الجوي الذي اقامته الحكومة التركية لتلبية احتياجات قطر من السلع والمواد الغذائية الضرورية في كسر للحصار الذي جرى فرضه عليها، ومن ضمنه اغلاق الحدود البرية، حيث تستورد قطر حوالي 80 بالمئة من احتياجاتها الغذائية من السعودية عبر المعبر البري الوحيد (سلوى) بين البلدين.

لا نعتقد ان الرئيس التركي اردوغان لا يدرك هذه الحقائق، وعدم ترحيب نصف الدول الأربع بوساطته، ومن غير المستبعد ان يكون استخدم هذه الازمة، وعرض وساطته فيها، لاصلاح علاقاته مع المملكة العربية السعودية، ومحاولة فتح أسواقها امام البضائع التركية، وإعادة احياء صفقة الأسلحة التركية للمملكة التي تبلغ قيمتها اكثر من ملياري دولار والغتها الأخيرة.

الرئيس اردوغان يريد ان يستخدم ورقة العداء لإيران المتصاعدة في منطقة الخليج، والانضمام الى “المحور السني” الذي تقوده السعودية في مواجهة تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، وتحقيقه انتصارات كبيرة في سوريا والعراق، وغير مباشرة في اليمن.

تقديم قطر “تنازلات” لخصومها، في اطار المبادرة التركية، ربما يخدم الرئيس اردوغان نفسه وحكومته ايضا، ويسهل تخلصه من “تهمة” دعم الإسلام السياسي ومنظماته، وترميم جسور العلاقات مع مصر بطريقة او باخرى، ويجنب تركيا التورط في حرب خليجية في حالة انفجارها، لسبب او لآخر، بسبب فشل الوساطات السياسية.

المثل الذي يقول “حج وبيع مسابح” ينطبق على جولة اردوغان الخليجية هذه، فتحت غطاء الوساطة يمكن ان يفتح افاق اقتصادية وتجارية مع المملكة العربية السعودية خصوصا، ولا نستبعد تقديمة تنازلات في هذا الاطار من بينها التعهد بتجميد ارسال المزيد من القوات الى قطر، وعدم المشاركة في أي حرب، فالرجل، أي اردوغان، اتفقنا معه او اختلفنا، يوصف بالسياسي “البراغماتي” الذي يغير مواقفه اذا اقتضت المصلحة التركية، ومصلحته وحزبه الحاكم “العدالة التنمية أيضا”.

لا نتوقع اختراقا كبيرا في هذه الزيارة، ولكننا لا نستبعد “مفاجآت” من اردوغان، بطريقة او بأخرى، في المحادثات المغلقة خصيصا.. والله اعلم.