ترامب ينفض يده من المعارضة السورية ويطلب من مخابراته وقف برامج تسليحها.. ما هي انعكاسات هذا القرار سياسيا وميدانيا؟ وهل الانشقاقات والصدامات الدموية الحالية هي بداية النهاية؟

عبد الباري عطوان

أعلنت الإدارة الامريكية رسميا امس تخليها عن المعارضة السورية بشقيها السياسي والمسلح، عندما قررت اغلاق البرنامج السري لوكالة المخابرات المركزية (سي أي ايه) لتسليح هذه المعارضة ودعمها، مما يعني تسليم سورية، او الجزء الاكبر منها للروس، والرضوخ لسياساتهم وبرامجهم، والتسليم نهائيا ببقاء الرئيس بشار الأسد وحكومته، ولو الى حين.

ست سنوات ووكالة المخابرات المركزية تدّرب فصائل سورية وتسلحها، في قواعد بالاردن، في تركيا، حتى داخل سورية، وتضخ مئات الملايين من الدولارات، واطنانا من الأسلحة والذخائر، ولكن دون ان تنجح في تحقيق الهدف المعلن، وهو اطاحة النظام السوري.

هذا القرار لم يكن مفاجئا في ظل تغيير أولويات السياسية الامريكية، والتفاهمات الروسية الامريكية بعد مجيء إدارة ترامب الى السلطة، وفشل المعارضة المسلحة في اسقاط النظام، وبروز جماعات إسلامية متطرفة مثل “الدولة الاسلامية” (داعش) وحركة تحرير الشام (النصرة)، اضفت طابعا “إرهابيا” على هذه المعارضة، وبما يصب في التوصيفات المبكرة للسلطات السورية.

حركة الانشقاقات المتتالية في صفوف المعارضة المعتدلة، او بالأحرى غير المصنفة إرهابيا، تعكس هذا التراجع الأمريكي، مثلما تعكس انفضاض الدول العربية الداعمة عنها، مثل المملكة العربية السعودية وقطر لانشغالهما بخلافاتها المتفاقمة، وانهيار المشروع التركي في سورية، ونهوض المشروع الكردي المدعوم أمريكيا في المقابل.

***

اليوم الخميس أعلنت حركة نور الدين زنكي، المكون الأبرز والاقوى في هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا)، انفصالها عن الهيئة بعد حوالي ستة اشهر من انضمامها اليها، الى جانب فصائل أخرى، وبررت هذا الانفصال في بيان رسمي بأنه “يعود الى عدم تحكيم الشريعة الذي تجلى في تجاوز لجنة الفتوى في الهيئة، وإصدار بيان باسم المجلس الشرعي دون علم اغلب أعضائه، وعدم قبول المبادرة التي اطلقها العلماء الافاضل يوم امس، وتجاوز مجلس الشورى، واتخاذ قرار بقتال احرار الشام على الرغم من ان تشكيل الهيئة بني على أساس عدم البغي”.

هذا الانشقاق من قبل حركة نور الدين زنكي الذي يبلغ تعداد مقاتليها ثمانية آلاف يشكل ضربة قاضية لهيئة احرار الشام (النصرة)، وقد يكون مقدمة لانشقاقات أخرى، في ظل اشتداد المواجهات الدموية، بين النصرة وحركة احرار الشام، ولا ننسى التذكير بإقدام “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية على حل نفسه والاندماج في فصائل أخرى.

إدارة الرئيس ترامب تخلت عن المعارضة السورية وتركتها تواجه مصيرها، مثلما فعلت مع المجاهدين الأفغان، والفيتناميين الجنوبيين، وقوات الصحوات في العراق، لعدة أسباب:

  • الأول: انها بدأت تراهن على المقاتلين الاكراد، ووحدات حماية الشعب، وجيش سورية الديمقراطية، باعتبارهم حلفاءها الجدد في سورية والمنطقة الذين يمكن الوثوق بهم.

  • الثاني: اقامتها عشر قواعد عسكرية أمريكية في شمال سورية، تحتوي على مطارات وطائرات حربية وصواريخ ودباباتـ أي انها باتت تعتمد على قواتها.

  • الثالث: تبلور قناعة أمريكية اوروبية بانه لا يمكن اطاحة نظام الرئيس الأسد في ظل الوجود الروسي، ولعدم وجود بديل شرعي، مثلما قال ايمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، قبل أيام، وتأكيد ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي، ان مصير الأسد في يد الشعب السوري.

  • الرابع: انشغال انصار المعارضة السورية في الخليج في خلافاتهم الداخلية (السعودية الامارات في مواجهة قطر) والحرب في اليمن، وتصعيد التوتر مع ايران.

***

الولايات المتحدة ركبت موجة مطالب الشعب السوري العادلة في الديمقراطية والحريات، واوعزت لوكالة المخابرات المركزية وحلفاءها في الخليج لتسليح المعارضة السورية للثأر من الحكم السوري، مثلما فعلت في ليبيا واليمن والعراق، وزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط، واغراقها في حروب طائفية وعرقية تحت شعارات زائفة، وعندما فشلت في الحلقة الأخيرة من هذا المخطط في سورية (حتى الآن)، قررت نفض يديها من هذه المعارضة.

كل من راهن، ويراهن، على الولايات المتحدة وحلفائها (عدا إسرائيل) واجه الهزائم والانكسارات والنهايات المأساوية، وكان من الطبيعي ان لا تكون المعارضة السورية استثناء، ولا نريد الخوض في أسباب أخرى عديدة لا تتسع هذه المساحة لسردها.

حتى دولة الاحتلال الإسرائيلي ستواجه المصير نفسه، والمسألة مسألة وقت لا اكثر ولا اقل، وحالة الرعب التي تعيشها حاليا بسبب عودة ثقافة المقاومة بقوة، وتضخم تأثير وفاعلية حالتي الردع والتهديد الصاروخي، وتراجع قوة ونفوذ ما يسمى “حلف الاعتدال” العربي، وعودة التوازن الى معادلات القوة في سقف العالم، الا احد المؤشرات الهامة في هذا الصدد.

الشعب السوري الكريم هو الذي دفع ويدفع ثمن هذه الخدعة الكبرى من دمه وامنه، واستقراره، وخيرة أبنائه، والوحدتين الجغرافية والديمغرافية لبلاده، لانه صدق الكذبة الامريكية العربية الكبرى، وهذا لا يعني ان مطالبه في الحرية والعدالة والديمقراطية والمساواة لم تكن مشروعة، ولا بد من مواصلة النضال من اجل تحقيقها.

لا نعتقد ان اخبار الهيئة العليا للمفاوضات (مقرها الرياض)، والائتلاف الوطني (مقره إسطنبول)، وتصريحات قيادييهم، ورحلاتهم المكوكية الى مؤتمر جنيف، وحتى الخلافات فيما بينهم ستتابع بالزخم نفسه في الأسابيع والاشهر المقبلة، مثلما لن نفاجأ اذا ما أقدمت الدول المضيفة الى السير على الطريق الأمريكي نفسه، أي نفض اليد كليا من هذه المعارضة، هذه هي الحقيقة التي لا يريد الاعتراف بها الكثير من السوريين.