الشيخ المحيسني يعتذر لاهل حلب.. ويحدد أسباب سقوطها.. فهل يعتذر الآخرون؟ وتفجير مخفر شرطة في دمشق بحزام ناسف ارتدته فتاة صغيرة هل هو مقدمة لحرب العصابات؟ وهل المفاوضات السرية بين ضباط روس وممثلين عن الفصائل المسلحة تأتي اسقاطا لمرجعيتي جنيف وفيينا؟

عبد الباري عطوان

ثلاثة مشاهد في الملف السوري استوقفتنا في ظل الكم الهائل من الاخبار القادمة من حلب وجوارها، حول خروج المسلحين والمدنيين، وصفقات التبادل مع محاصرين آخرين موالين للحكومة في الفوعة وكفريا، وكل مشهد منها له دلالة سياسية يمكن ان تسلط الأضواء على حاضر سورية ومستقبلها، وربما مستقبل المنطقة برمتها.

  • الأول: التفجير الذي وقع في قسم للشرطة في مدينة دمشق، نتيجة لحزام ناسف كانت ترتديه طفله في السابعة من عمرها، حسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن صحيفة “الوطن” السورية، واكد المرصد السوري لحقوق الانسان التابع للمعارضة مقتل فتاة، ولكنه لم يحدد عمرها، واذا صحت هذه المعلومة فان هذه هي المرة الأولى، وحسب الوكالة نفسها، التي تستخدم فيها فتاة صغيرة لتنفيذ عملية انتحارية بحزام ناسف جرى تفجيره عن بعد، فهل جاء هذا التفجير ردا على استعادة الجيش السوري لمدينة حلب، ام انه بداية حرب عصابات، قالت المعارضة السورية انها ستلجأ اليها كبديل عن الاستيلاء على المدن؟

  • الثاني: بث الشيخ عبد الله المحيسني ، القاضي الشرعي لجيش الفتح، والمتمركز حاليا في ادلب، شريطا صوتيا مدته 14 دقيقة (منشور في هذه الصحيفة)، وجه فيه ثلاث رسائل غير مسبوقة في غضبها وانتقاداتها، في اول رد فعل على سقوط مدينة حلب.

الرسالة الاولى وجهها لاهل المدينة (حلب)، عبر فيها عن اسفه وحزنه وخجله، وقال انه لا يملك الا لاعتذار لهم، واضاف “نشكر الله حكاما يتراقصون بسيوفهم فوق دماء المستضعفين، وقادة تفرقوا وتخاذل المتخاذلين”، اما الرسالة الثانية، فكانت لقادة فصائل المعارضة المسلحة الذين حملهم مسؤولية سقوط المدينة بسبب تخاذلهم وتفرقهم وصراعاتهم، متهما إياهم بمعصية الله.

اما الثالثة، والأخيرة فتناول فيها خروج أهالي منطقة حلب الشرقية بمظاهرات لمطالبة فصائل المعارضة المسلحة بالتوحد، ووصفها بأنها مظاهرات محقة، واكد جهوزيته لتقبيل “ارجل الامراء” كي تجتمع الساحة.

الشيخ المحيسني، اختلفنا معه او اتفقنا، اتسم بالشجاعة والأعتراف بالخجل وتقديم اعتذار واضح لاهالي حلب، ووضع اصبعه على النقطة الحساسة التي أدت الى سقوط حلب، أي الصراعات بين قادة الجماعات المساحة وخلافاتهم وخذلان العرب لهم، وهو اعتراف لم يصدر عن أي من قيادة هذه الفصائل، او أي من الزعماء العرب والأتراك الذين دعموا المعارضة السورية على مدى ست سنوات وتخلوا عن مدينة حلب، واداروا وجههم للناحية الاخرى، وتصرف بعضهم مثل مسؤولي الصليب الأحمر.

  • الثالث: اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم انه يعمل مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من اجل بدء جولة جديدة من مباحثات السلام السورية بهدف التوصل الى وقف لاطلاق النار في مستوى سورية كلها، وبادر السيد رياض حجاب رئيس الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل معارضة الرياض بالترحيب بهذه الخطوة، والانضمام الى هذه المفاوضات شرط ان يكون هدفها تشكيل حكومة انتقالية لها صلاحيات كاملة، دون ان يتحدث عن رحيل الرئيس الأسد، مثلما جاء في الوكالات العالمية التي نقلت تصريحه هذا.

تصريح الرئيس بوتين لافت، لانه يخلق مرجعية جديدة للمفاوضات السورية تنحصر في روسيا وتركيا، ودون أي إشارة لامريكا، او أوروبا او حتى دول الخليج، مثل السعودية وقطر، ولم يشر أيضا الى ايران، مما يعني ان مرجعتي جنيف وفيينا جرى تجاوزهما كليا، وهذا تطور سياسي مهم، وكان لافتا ان وزير خارجية السعودية والامارات لم يشاركا في اجتماع باريس قبل بضعة أيام الذي عقدته “النواة الصلبة” لمنظومة دول أصدقاء الشعب السوري في حضور جون كيري وزير الخارجية الأمريكي.

المفاوضات السياسية بدأت سرا في اسطنبول بين ممثلين عن الفصائل السورية المسلحة وضباط روس تحت مظلة تركية، وكانت تتضمن ترتيبات اجلاء المسلحين من حلب، واتفاقات بوقف اطلاق النار، وتبادل اسرى، وهناك من يقول بأنها مفاوضات أولية قد ينضم اليها ممثلون عن الحكومة السورية، وربما ايران أيضا.

العقيدة التفاوضية الروسية تقول بالقصف الشديد والتقدم على الارض، والاستيلاء على اكبر قدر من المواقع، ثم اذهب الى مائدة المفاوضات، حيث يكون الخصم في موقف ضعيف، ويبدو ان هذه العقيدة، او الاستراتيجية، تطبق حاليا بنجاح بعد استيلاء الجيش السوري على ما تبقى من مدينة حلب وتوحيدها.

الرئيس بوتين أعاد روسيا القوة العظمى الصاعدة الى الشرق الأوسط من البوابة السورية، ولا نعتقد انه سيتوقف عن الحدود السورية، و”سيتمدد” حتما الى دول أخرى، ولكن بالتقسيط المريح.

العام الجديد سيكون حافلا بالمفاجآت، فنحن امام نهاية مرحلة وبداية أخرى.. وانهيار تحالفات وصعود أخرى.. والمؤكد ان الأرض السورية هي البوصلة التي ستحدد الكثير من المسارات والتوجهات، فالمنطقة قبل سقوط حلب شيء، وما بعدها شيء آخر.