عدة نصائح الى امير الكويت يجب ان يأخذها في عين الاعتبار اذا قرر التوسط بين مصر والسعودية.. وهل فرص وساطته في النجاح افضل من سابقتها الإماراتية؟ واين تكمن “العقدة” الرئيسية التي توتر العلاقات بين البلدين

عبد الباري عطوان

من غير المستبعد ان يدخل امير الكويت الشيخ صباح الأحمد على خط الوساطة لاصلاح العلاقات، بين الشقيقة الكبرى الخليجية (السعودية)، والشقيقة الكبرى العربية (مصر)، والعمل على تقليص الخلافات بينهما اذا لم يتأت ازالتها، لان الكويت تتمتع بعلاقات طيبة مع “المتخاصمين” أولا، ولأنها الأكثر حرجا وتضررا من استمرار هذه الخصومة.

مهمة امير الكويت في تحقيق هذه المصالحة، اذا تأكدت، تبدو صعبة للغاية، لان المسألة لم تعد محصورة في خلاف على جزيرتين، او شح في المساعدات المالية، وتوقف شحنات النفط، فهذه اعراض لورم اكبر يتعلق بالزعامة، والكرامة الوطنية، وطرق التعامل، والفوقية منها على وجه الخصوص، ونظرة كل طرف لمكانة الآخر وقوته او ضعفه.

الشيخ محمد بن زايد ولي عهد امارة ابو ظبي، ونائب القائد الأعلى لقواتها المسلحة، الذي يحظى بتقدير خاص لدى الرئيس عبد الفتاح السيسي، حاول قبل ثلاثة أسابيع تطويق الخلاف المذكور اثناء قيامه بزيارة خاطفة الى القاهرة، ولكن جهوده لم تعط أي ثمار ملموسة، باستثناء تخفيف الحملات الإعلامية المصرية التي تستهدف السعودية، ومن غير المتوقع ان تكون وساطة امير الكويت الحالية في حال بدئها افضل حالا.

يسود اعتقاد في اوساط الغالبية الساحقة من المصريين ابتداء من الرئيس السيسي وانتهاء بسائق “التوكتوك” ان القيادة السعودية تتعامل معهم بفوقية وتعال، وتريد الهيمنة على القرار المصري، وان توظف مصر في خدمة حروبها واجنداتها السياسية العربية والدولية لانها تملك المال، والكثير منه، ومصر في حاجة ماسة اليه للخروج من عثراتها الاقتصادية.

السعودية تريد من مصر ان ترسل قواتا الى اليمن تقاتل اليمنيين تحت اجنحة طائرات “عاصفة الحزم”، مثلما تريدهم ان يرسلوا قواتا لاسقاط النظام في سورية، وقطع كل العلاقات معه، اذا لم يتعذر تحقيق الطلب الاول، وترى انه ممنوع على القيادة المصرية مجرد التفكير في إعادة العلاقات مع ايران، وان تلتزم بكل سياسيات مجلس التعاون الخليجي دون ان تكون عضوا ولو شرفيا فيه.

مصر في المقابل ترى في هذه المطالب التي ترتقي الى مستوى الاملاءات، إهانة لها، واخطرها الذي فجر مخزون الكبرياء المصري الضخم مطالبتها، وبطريقة استفزازية، بإنهاء “احتلالها” على جزيرتي “تيران” و”صنافير”، واعادتهما الى السيادة السعودية في اسرع وقت ممكن.

مشكلة المسؤولين السعوديين، او معظمهم، انهم لا يفهمون تركيبة الشخصية المصرية، ونوعية الجينات التي تشكل نواتها، وشق الكبرياء فيها الذي يصل في بعض الأحيان الى درجة “الشوفينية” خاصة عندما يتعلق الامر بدول الخليج، وبعض دول الجوار مثل السودان وليبيا وقطاع غزة، ولا نعتقد ان القيادة السعودية تريد، او تستطيع، تجاوز هذه العقدة، فقد تضخمت لديها أيضا حالة من غطرسة “القوة المالية” طوال السنوات الماضية بحكم الطفرة المالية الناجمة عن ارتفاع العوائد النفطية، وضعف المراكز العربية الأساسية (العراق، سورية، مصر)، الى درجة التعاطي مع دول عربية عديدة كمجموعة من المتسولين بما فيهم مصر بغض النظر عن حجمهم وارثهم الحضاري.

الخلاف العلني بين الحليفين المفترضين مصر والسعودية، يتفاقم يوما بعد يوم، ويبدو ان القيادة المصرية التي تشعر حاليا بحالة قوية وغير مسبوقة من الثقة، راجعة الى عدة عوامل ابرزها العلاقة القوية المتوقعة بينها وبين الإدارة الامريكية القادمة، الى جانب علاقاتها التي تزداد قوة مع الروس، وتجاوز النظام السوري الحليف غير المعلن عنق الزجاجة في الحرب التي يخوضها الاستعادة أراض خسرها للمعارضة المسلحة، وانحسار موجة الإسلام السياسي جزئيا، بدأت تحضر طريقا جديدا مستقلا عن حلفائها الخليجيين والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، ويتضح هذا من خلال مراقبة ورصد موقفين هما الاحدث في هذا المضمار:

  • الأول: اعلان الرئيس السيسي دعمه للجيش السوري، وتوارد الانباء عن ارسال مصر طيارين حربيين للمشاركة في العمليات العسكرية في جبهات القتال ضد المعارضة المسلحة، وعدم نفي السلطات المصرية هذه الانباء الا بعد أسبوع وبطريقة “مغمغمة” وروتينية، واعترافها في الوقت نفسه بوجود “مستشارين” عسكريين مصريين في سورية، مثلما هو الحال في ليبيا.

  • الثاني: مشاركة الرئيس السيسي بنفسه على قمة وفد كبير في القمة العربية الافريقية، التي انعقدت في غينيا الاستوائية نهاية الأسبوع الماضي، وانحيازه الى الموقف الجزائري بطريقة او بأخرى، ورفضه تبني الموقف السعودي الخليجي، والانسحاب من هذه القمة تضامنا مع نادي الملكيات العربية، واحتجاجا على وجود مقعد خال مرفوع امامه علم البوليزاريو.

***

ما يمكن استنتاجه من كل ما تقدم ان نجاح أي وساطة لامير الكويت يتطلب تنازلات كبيرة من الطرفين، والسعودي على وجه الخصوص، من بينها نسيان مسألة الجزيرتين صنافير وتيران، وتجميد أي مطالبة بهما ولو مؤقتا، والتوقف عن ممارسة أي ضغوط على الحكومة المصرية لاستعادتهما، وترك الامر للقضاء المصري الذي قد يستمر في بحث قضيتهما لسنوات او حتى لعقود، واحترام حق الحكومة المصرية في اتخاذ السياسات والمواقف التي ترى انها تخدم مصالحها تجاه سورية وايران وافريقيا حتى لو لم تتفق مع السياسات السعودية، فمصر دولة إقليمية عظمى، وليست دولة ميكروسكوبية، مثلما قال لنا احد المسؤولين المصريين الكبار.

امير الكويت الذي لا يمكن ان ينسى الدور المحوري الذي لعبته مصر اثناء ازمة احتلال بلاده عام 1990، يجب ان يتسع صدره لعتاب، وربما غضب المسؤولين المصريين الذين سيلتقيهم تجاه بعض مواقف نظرائهم السعوديين، وآخرها “الحفاوة” التي حظي بها رئيس وزراء اثيوبيا التي تبنى سد النهضة لتحويل مياه النيل اثناء زيارته للرياض بدعوة رسمية سعودية، وتوقيعه اتفاقات عسكرية وامنية مع الدولة المضيفة.

لا نجادل في ان امير الكويت يتمتع بخبرة سياسية ودبلوماسية ضخمة اكتسبها خلال من وجوده في السلطة لاكثر من نصف قرن، وزيرا للخارجية، ثم وليا للعهد ورئيسا للوزراء، وأخيرا اميرا للبلاد، لكن أي وساطة يقوم بها، او يفكر بالقيام بها، بين الشقيقتين تحتاج الى ما هو اكبر من الخبرة واهم، وهو قدرة الطرفين على التنازل والتعايش والاحترام المتبادل، والتحالف القائم على مبدأ الاختلاف والاستقلالية، وليس التبعية، وهذه كلها عوامل غير متوفرة حاليا، فالسعودية تتغير، ومصر تتغير، والظرفان العربي والدولي يتغيران أيضا، وسياسة بوس اللحى، والتكاذب، لم تعد مفيدة لا في الوقت الراهن، ولا في المستقبل القريب على الأقل.

عقدة مصر الكبرى التي تقفز عنها معظم دول الخليج العربي، هو المطالبة بإلغاء ارثها الحضاري، ومكانتها التاريخية، وتحولها الى دولة تابعة، وهذا ما ترفضه قيادتها وشعبها، ويرفضه الكثير من العرب أيضا، بعض النظر عن من يحكم مصر.