تفجير الكرادة الدموي في بغداد هو احد عناوين فشل “العراق الجديد”.. ونطالب بـ”شيلكوت” عراقي.. ومحاكمة جميع المتورطين كمجرمي حرب وليس بوش وبلير فقط.. واقالة قادة المخابرات والاصلاحيات “الترقيعية” ليست حلا والبكاء على صدام حسين ليس مفيدا

عبد الباري عطوان

بعد 13 عاما من الاحتلال الامريكي للعراق واطاحة نظام الرئيس صدام حسين، من المفترض ان يكون هذا البلد الاكثر امانا في منطقة الشرق الاوسط والعالم، حسب رأي توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، الذي ما زال يعتقد انه اتخذ القرار الصائب بدعم هذا الاحتلال.

“العراق الجديد” لم يعد آمنا، والاخطر من ذلك تحوله الى منصة انطلاق لاعمال عنف وارهاب تهدد امن واستقرار، ليس دول الجوار فقط، وانما العالم بأسره.

السياسيون العراقيون، الذين ايدوا غزو بلادهم واحتلاله، ووفروا الغطاء اللازم لهما، فشلوا في اقامة حكم ديمقراطي رشيد، كبديل للنظام الذي عارضوه اولا، ثم فشلوا في توفير الامن الاستقرار للمواطنين العراقيين ثانيا، ونشر قيم التسامح والعدالة الاجتماعية ثالثا، والاهم من ذلك جعلوه يحتل صدارة قائمة الفساد المالي والسياسي.

التفجير الكبير الذي وقع في حي الكرادة يوم الاحد الماضي، اي قبل ثلاثة ايام من عيد الفطر المبارك، كان الاكثر دموية منذ ايام الاحتلال الاولى، فقد ادى الى مقتل ثلاثمئة شخص حتى الآن، واصابة المئات، ولحقه تفجير آخر يوم امس في مدينة بلد استهدف مرقد السيد محمد ابن الامام الهادي المعروف باسم “سبع الدجيل” في محافظة صلاح الدين، مما ادى الى مقتل 30 شخصا من زواره واصابة خمسين آخرين، ويعلم الله اين سيكون التفجير المقبل، وكم عدد ضحاياه.

***

لا شك ان التفجيرين وما اسفرا عنه من اعداد كبيرة من الضحايا الابرياء، امر مؤلم وخطير، علاوة على كونهما يشكلان ارهابا مدانا، ولكن ما هو اخطر من كل هذا وذاك هو الانهيار الامني الذي يعيشه العراق حاليا، ولا توجد اي مؤشرات جدية لوقفه، او حتى تخفيف حدته في المستقبل المنظور، وتجسد في ابشع صوره عندما تجاوزت الشاحنة الصغيرة المحملة بالمتفجرات العديد من الحواجز الامنية المشددة بعد انطلاقها من مدينة ديالي ووصولها الى هدفها في حي الكرادة في بغداد.

استقالة وزير الداخلية العراقي محمد الغبان من منصبه بعد الانفجار الاول خطوة تعكس احساسا بالمسؤولية دون ادنى شك، تستحق التنويه، واقالة السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي مسؤولي الامن والاستخبارات في بغداد، وتحميلهم مسؤولية هذا الاختراق الامني، هو الحد الادنى لما يمكن فعله، ومحاولة امتصاص لحالة الغضب الشعبي المتفاقمة، ولكننا لا نعتقد، قد قلنا ذلك سابقا، ان هذه الاقالات ستسد الثغرات الواسعة في جدار المؤسسات الامنية العراقية، وبما يحول دون تكرار هذه التفجيرات الدموية في الاسابيع، او الاشهر، وربما السنوات القادمة ايضا، لان المشكلة لا تكمن في هذا الفشل الامني فحسب، وانما في النظام والنخبة العراقية الحاكمة ايضا، والعقلية الطائفية التي ادارت وتدير “العراق الجديد” طوال السنوات الماضية.

“الدولة الاسلامية” او “داعش” مثلما يصر الكثيرون على تسميتها، وكأنهم بذلك يقللون من اهميتها، ويسخرون منها (على طريقة اشبعناهم شتما وفازوا بالابل)، وهذه مسألة اخرى تستحق لمناقشة اوسع لاحقا، هذه “الدولة” اعلنت مسؤوليتها عن “مجزرة” الكرادة الدموية، مثلما سارعت الى اعلان مسؤوليتها عن هجوم الامس الانتحاري على مرقد الامام “سبع الدجيل”، مما يعني ان خطرها بعد اخراجها، او بالاحرى هزيمتها، في مدينة الفلوجة قبل اسبوعين اصبح مضاعفا على عكس ما توقعه العديد من “الخبراء”.

قلنا سابقا، وفي هذا المكان، ان هذه “الدولة” ستدافع باستماتة عن اطرافها، اي المدن الاخرى التي كانت تسيطر عليها مثل الرمادي وتدمر والفلوجة وتكريت، وربما باستماتة اكبر عن عاصمتيها في العراق (الموصل)، وسورية (الرقة)، ولكنها لن تتأثر كثيرا اذا ما خسرتهما، لان هذه الخسارة، وفي ظل ضخامة القوات التي تستهدفها، برا وجوا، ربما تؤدي الى  اعفائها من مسؤوليتها الادارية والخدماتية والحياتية،  تجاه اهالي هاتين المدينتين وغيرهما، في ظل الحصار الخانق وتجفيف الموارد النفطية، واطلاق يديها في التركيز على الاعمال الارهابية، او “الخطة B” في استراتيجيتها، وما هذه التفجيرات في بغداد واسطنبول واورلاندو ودكا الى احد تطبيقاتها.

ما يحتاجه العراق لوقف هذه التفجيرات وغيرها هو اعتراف النخبة الحاكمة والقوى الغربية والدولية الداعمة لها (امريكا) بأنهم فشلوا جميعا في العراق، وان الاستمرار في المكابرة لا يفيد مطلقا، لانهم خسروا الشعب العراقي، او معظمه، ولا نعتقد انه بات في امكانهم اعادة كسبه مرة اخرى، مهما قدموا من وعود واقدموا على خطوات اصلاحية “ترقيعية”، فعندما يترحم عراقيون على زمن “الطاغية” ويحنون الى ايام حكمه، ويتغنون بالامن الذي حققه لهم في ظل حصار خانق، فهذا هو ابرز عناوين هذا الفشل، وقمة اليأس وانعدام الامل في اي تغيير للاصلح في الحاضر والمستقبل المنظور.

***

تابعنا باندهاش واستنكار احتفال بعض السياسيين العراقيين واعلامهم بتقرير اللورد شيلكوت، حول خلفيات خوض بريطانيا الحرب في العراق، وما ورد فيه من اعتراف بالتضليل والكذب والخداع، واضطرار توني بلير على الاعتذار علنا عن اخطائه وخطاياه، ولكن من المفارقة ان اي من هؤلاء السياسيين لم يجرؤ على الاعتراف بخطاياه وعمالته وتأمره معه، اي بلير، ومعلمه جورج بوش الابن، لتدمير العراق وبناه التحتية وقتل مليون من ابنائه.

لم نسمع سياسيا عراقيا واحدا من الذين تواطأوا مع الغزو، معمما كان او غير معمم، ومن الطوائف والاعراق كلها دون استثناء، يعتذر للشعب العراقي، ويقر بذنبه وخطاياه، ويطالب بلجنة “تشيلكوت” عراقية تحقق بشفافية بما حدث قبل الغزو وبعده، ونتائجه الكارثية، ومحاكمة مجرمي الحرب العرب والعراقيين، واللجوء الى المحاكم الدولية لمحاكمة بلير وبوش وطلب تعويضات مادية ومعنوية من الغزاة المحتلين المجرمين الذين دمروا البلاد، ومزقوا نسيجها المجتمعي، وهويتها الوطنية الجامعة الموحدة.

عندما عارضنا هذا الغزو ومؤيديه بشراسة، ولحقنا ما لحقنا بسبب ذلك، كنا ندرك جيدا انه غزو لا يستهدف العراق وحده، وانما منطقة الشرق الاوسط برمتها، ومقدمة للتفتيت والتقسيم والحروب الطائفية، ومن المؤلم ان توقعاتنا صدقت، نقولها وفي الحلق ما هو اكثر مرارة من العلقم، ويا ليتها لن تصدق.

العراق العظيم الذي كان دائما نقطة اشعاع في المنطقة، وحاضنة للامبراطوريات على مدى ثمانية آلاف عام، سينهض حتما من كبوته هذه، مثلما نهض مما هو اخطر منها، ويعود قويا مهابا جبارا مستئنفا دوره الطليعي، تماما مثلما ستنهض سورية ومصر قاطرات هذه الامة الثلاث بدعم من اهلنا في الجناح المغاربي، مخزون الكرامة والعزة والوطنية، فهكذا علمنا التاريخ ودروسه، والايام بيننا.