لماذا كل هذه الضجة حول تقرير شيلكوت عن العراق؟ وما الفائدة منه بعد تدمير العراق وتقزيمه؟ وماذا ينفع الندم والترحم على صدام حسين وعهده؟ وحتى متى نستمر في غبائنا كعرب ونمزق بلداننا ونذبح بعضنا البعض؟

عبد الباري عطوان

لا نفهم هذه الضجة المثارة حاليا في الاعلامين العربي والغربي حول تقرير اللورد البريطاني جون شيلكون حول الحرب في العراق عام 2003، فهذا التقرير جاء متأخرا سبع سنوات، ولم يتضمن اي جديد لا نعرفه، والاخطر من ذلك ان العراق تعرض لغزو واحتلال، واستشهاد اكثر من مليون عراقي، وبذر بذور التقسيم الطائفي البغيض في تربته وتغيير نظامه، وزعزعة استقراره، وتحويله الى دولة فاشلة.

ماذا يفيدنا اعتذار توني بلير، مجرم الحرب البريطاني، الذي قاد بلاده الى الحرب مع شريكه جورج بوش الابن، بتحريض من اليهود الصهاينة؟ بل حتى ماذا تفيد ادانته كمجرم حرب لاكثر من اربعة ملايين طفل تيتموا وفقدوا آبائهم وامهاتهم، او مليون ارملة عراقية معظمهن ترملن وهن في عز الشباب؟

الرئيس العراقي صدام حسين لم يكن هو الهدف من هذه الحرب فقط، وانما العراق والمنطقة العربية بأسرها، ففي ظل وجود عراق قوي موحد من المستحيل ان تمر مؤامرة التقسيم والتفتيت ونهب الثروات التي تعيش فصولها منذ خمس سنوات تحت مسمى “الربيع العربي”.

ما سنعرفه في الاعوام المقبلة ان الخطأ الاكبر الذي ارتكبه العراق ورئيسه ليس الديكتاتورية ولا القمع، وتصفية الخصوم والمعارضين، وانما امتلاك اسباب القوة، وتهديد المشروع الصهيوني الامريكي في المنطقة، والتأسيس لمشروع عربي يقوم على اساس قواعد علمية وعسكرية واقتصادية، ومن المؤلم ان عربا تورطوا بغباء، او عن تعمد، في هذه المؤامرة التي بدأت عام 1990 وما زالت فصولها مستمرة حتى الآن.

ستكشف لنا الايام والوثائق، ولكن بعد فوات الآوان، ان الكويت كانت المصيدة الاولى لاستدراج العراق، وذريعة اسلحة الدمار الشامل كانت الذريعة للغزو والاحتلال، والتمهيد للفتنة الطائفية، وما تفرعه من حروب دموية، نراها بالعين المجردة هذه الايام.

من يجب ان يقف في قفص الاتهام كمجرم حرب ليس توني بلير او جورج بوش، وانما كل السياسيين العراقيين الذين تواطأوا معهما، من منطلق الاحقاد الشخصية والطائفية، وطمعا في الحكم، وليس حرصا على العراق وامنه واستقراره ورفاهية مواطنيه.

كنا نتابع عمالتهم وتواطؤهم هنا في لندن، ولقاءاتهم المكثفة مع السفير فرانسيس ريتشاردوني، الذي كان الطباخ الامهر للمخطط المسموم، والمؤسسات الاعلامية الضخمة التي تأسست لتسويقه عراقيا وعربيا، وتشويه صورة كل من عارضه، وحذر من اخطاره.

قبل ثلاثة اعوام كنت اسير في طريقي الى مكتبي في يوم مشمس من ايام لندن الغائمة دائما، حين خرج احدهم من مقهى مناديا اسمي، وقائلا فقط “فد كلمة”، وادركت انه عراقي، وتوقعت الشتائم والاتهامات، بل الكثير منها، وفاجأني بالقول “والله لو قابلتك قبل عشرين عاما لذبحتك.. الآن اسمح لي ان اقبل رأسك اعتذارا.. فقد كنت تحذرنا من خطورة ما يتم طبخه لنا وبلدنا.. ولكننا لم نسمع ولم ننتبه.. كنا مضللين نسير الى حتفنا وبلادنا ونحن مفتوحي الاعين”.

لا نستغرب تلك الاصوات التي بدأت تتصاعد في العراق وتعض اصابع الندم، وتترحم على عهد “الطاغية” صدام حسين، وبعد ان شاهدت البديل الدموي التدميري للعراق العظيم، وضياع هويته الوطنية الجامعة، ونهب مئات المليارات من ثرواته، وتحوله الى بقايا طائفية ممزقة مهلهلة متحاربة، وحمامات دماء.

***

الغزو الامريكي للعراق، وكل المنخرطين فيه، والعائدين على ظهور دباباته الى ارضه الطاهرة، ومعهم كل المتآمرين العرب، هم جميع المسؤولون عن كل اعمال الارهاب، والسيارات المفخخة، والاحزمة الناسفة التي تحصد ارواح الابرياء، مثلما هم الذين هيأوا الحاضنة والبيئة الخصبة لنمو وتوسع ظاهرة “الدولة الاسلامية”، التي باتت تفجر المنطقة بأسرها.

هل كان علينا كعرب ومسلمين وبشر ان ندفع كل هذا الثمن من دمائنا، وارواحنا، وشبابنا، واطفالنا ونفطنا، ووحدتنا الترابية، بل وكرامتنا كافة، حتى نثبت ان بلير وبوش كانا مجرمي حرب؟

بئست تقاريركم.. بئست لجان تحقيقاتكم .. وبئست كل اكاذيبكم الديمقراطية.. فقد لدغنا من جحوركم وثعابينكم منذ مشروع “التنظيمات” للدولة العثمانية.. ومحادثات الحسين مكماهون.. ووعود الثورة العربية الكبرى.. ووعد بلفور.. ثم اتفاقيات سايكس بيكو.. والكتاب الابيض.. واتفاقات كامب ديفيد.. وطفلها اللقيط “اوسلو”.. وما زال مسلسل الخديعة الكبرى مستمر، وما زلنا، او معظمنا، اغبياء يصدقون اكاذيبكم في سورية وليبيا، ومصر، واليمن، والعراق، والسودان، والقائمة تطول.