“الدولة الاسلامية” تنقل معركتها الى العمق الامريكي.. هل عملية اورلاندو استجابة لنداء العدناني؟ وهل يحتاج “ترامب” لمثلها ليصل الى البيت الابيض؟ وهل هناك رد امريكي متوقع وكيف واين؟

عبد الباري عطوان

ان يبايع الشاب عمر صديق متين “الدولة الاسلامية” على الطاعة والولاء وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، قبل اقتحامه الملهى الليلي الذي استهدفه بهجومه الارهابي في مدينة اورلاندو بولاية فلوريدا، فهذا يعني، وللوهلة الاولى، ان هذا الشاب الامريكي من اصل افغاني قد يكون استجاب، بطريقة مباشرة او غير مباشرة، للنداء الذي وجهه ابو محمد العدناني، المتحدث باسم هذا التنظيم، للشبان المسلمين بتنفيذ هجمات في الغرب انتقاما للتدخل العسكري الذي يستهدف هذه “الدولة” في سورية والعراق، ويريد استئصالها والقضاء عليها.

اختيار ملهى ليلي يؤمه المثليون من الجنسين من قبل هذا الشاب، وشرائه البندقية الآلية التي استخدمها في الهجوم قبل بضعة ايام من التنفيذ، يوحي بانه اختار هدفه، واجرى حساباته بشكل مدروس ومتقن، وهذا ما يفسر ارتفاع عدد الضحايا (50 شخصا حتى كتابة هذه السطور) وعشرات الجرحى.

***

الرئيس باراك اوباما وصف هذا الهجوم بأنه عمل ارهابي مدفوع بالكراهية، وانه اسوأ حادث اطلاق نار في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية، ولكنه لم يقل كيف سيرد على هذه المجزرة، وربما لا يحتاج لقول ذلك على اي حال، فالقوات الخاصة الامريكية تخوض حربا دموية ضد تنظيم “الدولة الاسلامية”، وتشارك في الهجوم ضد مواقعها في الرقة، والفلوجة، ومنبج، وتوفر الغطاء الجوي اللازم لدعم هذه الهجمات، وما يستتبعه ذلك من غارات وقصف تدميري سجادي.

ان يستجيب هذا الشاب لنداء الاستغاثة الذي اطلقه العدناني على شريط مصور، وجرى توزيعه على المواقع التابعة او المتعاطفة مع “الدولة الاسلامية” فهذا امر على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة في آن، وقد يؤكد النظرية التي تقول بوجود خلايا نائمة، او ذئاب منفردة مزروعة في معظم البلدان الغربية وجاهزة للتحرك في اي لحظة تصدر لها الاوامر، الامر الذي يدفعنا، وربما غيرنا، لوضع ايدينا على قلوبنا تحسبا لعمليات اخرى مماثلة.

“الدولة الاسلامية” سارعت بإعلان مسؤوليتها عن هذا الهجوم، وانتماء منفذه اليها، حسب ما اكدته وكالة “اعماق” الناطقة بإسمها، وكأن لسان حالها يقول “تقتلوننا في العراق وسورية وتريدون اجتثاثنا، وها نحن نرد عليكم في عقر داركم”، وتوقعوا المزيد في المستقبل القريب.

انه تحد ارهابي دموي غير مسبوق، تتواضع امامه معظم، ان لم يكن كل، التحديات السابقة المماثلة، مما يؤكد ان هزيمة هذه “الدولة” بالوسائل العسكرية لا يعني القضاء عليها كليا، لان عقيدتها المتطرفة اخطر بكثير من اسلحتها ومقاتليها الذين نجحوا في احتلال نصف سورية وثلث العراق قبل عامين، مضافا الى ذلك انها باتت متمددة في اكثر من تسع دول ومناطق وولايات تنتشر في آسيا وافريقيا واوروبا، واخيرا امريكا.

مهمة الاجهزة الامنية التي تسخر امكانياتها المادية والتسليحية والاستخبارية الجبارة لمحاربة هذه “الدولة” وانصارها في مجتمعاتها، تبدو صعبة للغاية، ان لم تكن مستحيلة، فماذا تستطيع ان تفعل في مواجهة شخص عقد العزم على القتال حتى الموت او “الشهادة”، مثلما تفيد ادبيات هذه “الدولة”، والمنظمات الاخرى التي تتبنى التفسيرات السلفية المتشددة للعقيدة الاسلامية وارثها؟ تقتله؟ انها تحقق بذلك اجمل امنياته.

هزيمة هذه “الدولة الاسلامية” عسكريا، ربما يعفيها من عبء كبير يتمثل في توفير الخدمات الاساسية والادارية والاحتياجات المعيشية الضرورية لحوالي تسعة ملايين مواطن داخل حدودها، وتحت حكمها، في وقت يضيق الخناق عليها، ويجري تجفيف مواردها المالية، وعوائدها النفطية، ولذلك فإن اختفائها من فوق الارض، ونزولها تحتها، ربما يصب في مصلحتها، ويزيد من اخطارها.

لا نجادل مطلقا في ان مجزرة اورلاندو هذه تصب في مصلحة التطرف الامريكي اليمني العنصري في الجهة الاخرى، سواء في امريكا الشمالية، او اوروبا، ولهذا لم نستغرب سيل التهاني التي انهالت على المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة دونالد ترامب، واحتفاله الواضح بها، الذي عبر عنه في حسابه على “التويتر” بقوله “انه كان محقا في التركيز على الارهاب الاسلامي وضرورة مواجهته”.

الكراهية الامريكية للعرب والمسلمين التي تجسدت في غزو العراق واحتلاله بقيادة “ترامب آخر” يدعى جورج بوش الابن هي التي بذرت بذور الارهاب في العراق، والتي نمت وترعرعت واعطت ثمارها على شكل هذه التنظيمات الاسلامية المتشددة، وعلى رأسها “الدولة الاسلامية”، فتدخلات امريكا العسكرية المدعومة من حلف الناتو وبتواطؤ بعض الحكومات العربية، وادخالها المحاصصة الطائفية، وما تفرع عنها من صراعات طائفية هي التي خلقت الحواضن للتطرف والعنف والارهاب وتحويل اكثر من خمس دول عربية الى دول فاشلة، كانت حتى الامس القريب نموذجا في التعايش والاستقرار والامن، مع اعترافنا بوجود قمع وفساد واضطهاد.

اذا كانت عملية هجوم اورلاندو الارهابية هذه ستحمل دونالد ترامب الى البيت الابيض، وتزيد من توحش الاسلاموفوبيا، فإن الضرر لن يلحق بالمسلمين وحدهم، وانما بالعالم بأسره، ولذلك لا بد من ضبط النفس، والتعاطي بهذه العملية بكل الحكمة والتعقل، وتطويق نتائجها وتبعاتها بسرعة وقطع الطريق على من يريدون توظيفها بطريقة عنصرية ارهابية ايضا.

***

الرد على فكر متشدد لا يتم بمثله، وانما بالتسامح وتعزيز قيم التعايش، فالذي اقتحم الملهى الليلي لا يمثل كل المسلمين وعقيدتهم، كما ان من نفذ تفجير المجمع الحكومي في اوكلاهوما قبل سنوات لا يمثل الامريكيين جميعا، والعقيدة المسيحية ايضا، ولكن من غزا العراق واحتله كان رئيسا منتخبا من غالبية الشعب الامريكي ولم يجد من يحاسبه.

ترامب العنصري الحاقد على المسلمين، وغير البيض الآخرين، فاز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة قبل عملية اورلاندو هذه، وعلى اساس برنامج انتخابي طافح بالعنصرية والكراهية للمسلمين، ولا نبالغ اذا قلنا ان هذا الخطاب قد يكون احد الدوافع الرئسية لهذا الشاب عمر صديق متين لمبايعة “الدولة الاسلامية”، وارتكاب المجزرة في الملهى الليلي المثلي.

المجزرة التي ارتكبها الشاب عمر صادق متين عملية ارهابية بأقوى العبارات وغير مبررة على الاطلاق، ولكن علينا ان نتذكر، ونذّكر الآخرين، بما فيهم الامريكان انفسهم، اننا كعرب ومسلمين ضحايا لسياساتهم وتدخلاتهم العسكرية ايضا، بل وطائراتهم التي تقصف في هذه اللحظة اهدافا في بلداننا تحت عنوان مكافحة الارهاب، وتقتل من الابرياء المئات، ان لم يكن الآلاف، ونحن لا نتحدث هنا عن استشهاد مليوني عراقي، نصفهم من الاطفال من جراء الحصار الذي استمر 13 عاما، والنصف الآخر بعد الحرب.

الارهاب آفة مدانة ومجرمة، وكذلك من يهيئون له الاسباب والحواضن، ايا كانت هوياتهم وجنسياتهم.