اتفاق الهدنة الامريكي الروسي في سورية ما زال غامضا.. وما هي فرص النجاح والفشل.. وهل وضع “النصرة” والدولة الاسلامية” على مذبح التصفية سيؤدي الى توحدهما ضد القوتين العظميين؟ وما دور تفجيرات حمص والسيدة زينب في التعجيل به؟ وهل غير “البغدادي” استراتيجية تنظيمه ولماذا؟

عبد الباري عطوان

اتفاق وقف اطلاق النار الذي توصل اليه الامريكان والروس، واعلنا بعض تفاصيله امس، يبدو ظاهريا انه يحقق للسلطات السورية في دمشق كل ما تتمناه، اي تثبيت المكاسب التي حققها الجيش النظامي على الارض في الاسابيع الاخيرة في مناطق الشمال الغربي (حلب وريفها)، والجنوب (درعا والقنيطرة)، بينما لم يعط الحليفين التركي والسعودي الا القليل، فلا المنطقة العازلة اقيمت، ولا المعارضة حصلت على اسلحة نوعية مثل صواريخ مضادة للطائرات من الرياض، تغير موازين القوى على الارض، ولا مخططات ارسال قوات برية بقيادة امريكية حظيت بالتطبيق العملي.

القيادة الروسية نجحت في فرض شروطها على نظيرتها الامريكية، بما في ذلك استثناء “جبهة النصرة” من الاتفاق، ووضعها في خانة واحدة مع “الدولة الاسلامية” باعتبارهما “منظمتين ارهابيتين”.

***

اتفاق وقف اطلاق النار تعثر الاسبوع الماضي، حسب بعض المعلومات، لان جون كيري وزير الخارجية الامريكي اراد بضغط من السعودية وتركيا استثناء “جبهة النصرة” من الغارات الجوية الروسية، وضمها الى الحركات الجهادية “المعتدلة”، ولكن نظيره الروسي سيرغي لافروف رفض هذا الطلب، مما ادى الى انهيار مفاوضات جنيف الجمعة الماضي بين الطرفين حول هذه المسألة.

التفجيرات الانتحارية التي نفذتها خلايا تابعة لـ”الدولة الاسلامية” في منطقة السيدة زينب جنوب العاصمة دمشق، والاخرى التي استهدفت مدينة حمص، واوقعتا مجتمعتين اكثر من 150 قتيلا، قد تكون لعبت دورا كبيرا في التعجيل بالاتفاق، لابرازها خطورة هذا التنظيم واذرعته الضاربة في العمق السوري.

رفض الادارة الامريكية المزدوج لقيادة قوات برية تتدخل في سورية تحت عنوان محاربة “الدولة الاسلامية”، وتزويد المعارضة السورية بأسلحة نوعية، خشية تسربها الى “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، وحركات اخرى مشابهة تستخدمها ضد طائرات مدنية او حربية، روسية وامريكية واسرائيلية لاحقا، ربما جاء لتجنب اجهاض مبكر للاتفاق، وعدم استفزاز القيادة الروسية بالتالي، وهذا ما يفسر التصريحات التي ادلى بها السيد مولود جاويش اوغلو اليوم (الاثنين)، واكد فيها ان امكانية شن عملية برية تركية سعودية مشتركة في سورية “ليست على جدول الاعمال”، مشددا على “ان اي حركة في هذا الاتجاه يجب ان تكون جماعية”، مما يعني ان واشنطن نجحت في “لجم” حليفيها السعودي والتركي، والحد من اندفاعهما.

الرئيس السوري بشار الاسد ربما كان مطلعا على مثل هذه التطورات دون ادنى شك، عندما قال “ان التفاوض شيء، واستمرار الحرب على الارهاب شيء آخر، ولا تعارض بين الاثنين ويجب ان يستمرا في الوقت نفسه، فمن الواضح، ومن خلال التفاصيل القليلة المسربة عن اتفاق الهدنة، ان الطائرات الروسية المدعومة بقوات الجيش العربي السوري على الارض ستستمر في شن غاراتها ضد مواقع تابعة لـ”جبهة النصرة” و”الدولة الاسلامية” في شرق وغرب سورية، كما سيستمر الحصار المفروض حاليا على معظم مدينة حلب، الشيء الايجابي الابرز سيتمثل في ايصال المساعدات الانسانية الى المدنيين المحاصرين.

السؤال الذي يطرح نفسه هو حول فرص نجاح هذا الاتفاق في الصمود على الارض، وفي ميادين القتال من عدمه، والسيناريوهات العسكرية والسياسية التي ستترتب عليه، او في مرحلة ما بعد نجاحه، او انهياره.

لا نملك اي اجابة لشحة المعلومات حول تفاصيله اولا، وصعوبة التنبؤ بتطورات المشهد السوري، مثلما اثبتت الاعوام الخمسة الماضية من عمر الازمة وتقلباتها ثانيا، ولكن ما يمكن قوله ان الدولتين العظميين اتفقتا على عدو واحد، واجندة مشتركة لمواجهته، وهذا العدو هو “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” والفصائل الاخرى المتحالفة معهما، بعد مساومات شاقة.

وضع “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” على قائمة الارهاب، وبالتالي التصفية الميدانية، وربما يؤدي الى توحدهما، وقتالهما في خندق واحد، الامر الذي لو حدث، سيشكل قدرة عسكرية جبارة على الارض، سيكون من الصعب القضاء عليها بسهولة، مما سيؤدي الى اطالة امد الحرب على الارهاب بالتالي، وحدوث “مفاجآت” غير متوقعة.

***

تفجيرات حمص والسيدة زينب الانتحارية التي جاءت ردا على هذا الاتفاق الروسي الامريكي، او توقعا له، كشفت عن استراتيجية جديدة لـ

“الدولة الاسلامية” اي الاقدام على “ضربات استباقية انتقامية”، مثلما كشفت ايضا عن اختراق امني كبير، ووجود خلايا نائمة جرى تنشيطها في توقيت تراه قيادتها مناسبا، وهذا تطور سيقلق الاجهزة الامنية السورية على وجه الخصوص.

من الواضح ان تنظيم “الدولة الاسلامية” بدأ يتبنى نهج “القاعدة الام” الذي ابتعد عنه في العامين الماضيين، لمصلحة نظرية “التمكن” والتركيز على العدو القريب، ويأتي هذا التحول في ظل تعاظم القوى التي تحاربه، وتريد اجتثاثه في سورية والعراق معا، وخسارته بعض المواقع الاستراتيجية المهمة في الرمادي (العراقية) وريف حلب الجنوبي والشمالي.

على الورق يمكن الاستنتاج ان اتفاق الهدنة هذا يمكن ان يكون مقدمة، او تمهيدا، لاستئناف مفاوضات “الحل السياسي”، وتطبيق تفاهمات عمليتي فيينا وجنيف السياسيتين وما تنص عليها من هيئة حكم انتقالي، وحكومة وحدة وطنية، وتعديلات دستورية وانتخابات رئاسية وبرلمانية، في غضون عامين، ولكن ما يتم رسمه على الورق شيء، وما يمكن ان تكشف عنه الترجمة العملية على الارض شيئا آخر قد يكون مختلفا كليا.

المهم ان كل الحديث عن اسلحة متقدمة للمعارضة السورية، وتحالفات “اسلامية” ضد تنظيم “الدولة الاسلامية” ومناورات “رعد الشمال”، والتدخل البري، جرى وضعها كلها في الثلاجة “الفريزر”، ان لم تكن قد تبخرت مع بدء اشتداد درجات الحرارة في الجزيرة العربية في الوقت الراهن.

السيدان عادل الطريفي، والعميد ركن احمد العسيري، بحاجة الى اجازة، او الاول على الاقل، ريثما يهدأ غبار هذا الاتفاق، وتتبلور فرص نجاحه او فشله، وهذا ما يفسر زيارته الحالية للسودان، التي تعتبر الاولى من نوعها لوزير خارجية سعودي منذ سنوات، او حتى عقود.