لماذا دخلت “الدولة الاسلامية” على خط الازمة السعودية الايرانية وهددت بالانتقام للمعدومين السنة؟ وما مدى جدية هذه التهديدات؟ ولماذا دُفن الشيخ النمر في قبر “مجهول” على طريقة “بن لادن” والقذافي؟

عبد الباري عطوان

ما زالت تداعيات عملية اعدام المرجع الشيعي السعودي نمر باقر النمر من قبل السلطات السعودية قبل اسبوع تتفاعل على اكثر من صعيد، وبما يعمق التوتر المذهبي الشيعي السني، ويزيد من الاحتقان واحتمالات المواجهة العسكرية بعد السياسية، بين المملكة العربية السعودية وايران، لكن ربما تكشف الاسابيع والاشهر المقبلة، ان اعدام 43 سنيا من انصار تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” اكثر خطورة على امن المملكة العربية السعودية واستقرارها من اعدام الشيخ النمر.
فاذا كانت ايران انبرت لشن حرب شرسة اعلامية وسياسية ودبلوماسية ضد المملكة العربية السعودية انتصارا للشيخ النمر، وتوعدت بالثأر لاعدامه، فان من قطعت رؤوسهم من اعضاء تنظيم “القاعدة” الذين لم تنتفض اي دولة، او جماعة، للدفاع عنهم، او ادانة اعدامهم، لانهم متهمون بالارهاب، وينتمون الى احد اخطر التنظيمات الارهابية، وجدوا في “الدولة الاسلامية” من يهدد بالثأر لهم، الى جانب تنظيمهم الاصلي، وهذا تهديد يعتبر في رأينا اكثر خطورة وجدية من التهديد الايراني، لان هؤلاء اذا قالوا فعلوا، ولنا في ما حدث في باريس من تفجيرات بعض الادلة.
فالخطر الايراني يمكن ان يكون محصورا في التحريض على مظاهرات، او شن حملات اعلامية ضد النظام السعودي، او استعراض بعض الصواريخ الحديثة في مناورات عسكرية، او دعم التحالف “الحوثي الصالحي” في اليمن بأسلحة وذخائر اذا ما جرى فتح ثغرات في جدار الحصار السعودي البحري، البري، والجوي، الخانق والمحكم، ولكن خطر “الدولة الاسلامية” داخلي، ويجد بيئة سعودية حاضنة يتمثل في مئات آلاف الشباب المؤمنين بعقيدته السلفية الوهابية، ونجح في الماضي القريب في تكوين خلايا، وتنفيذ هجمات ارهابية استهدفت مصالح واهداف حكومية، ولم يمر شهر دون ان تعلن وزارة الداخلية عن تفكيك خلايا، ومصادرة اسلحة، حتى ان قائمة المطلوبين التي وضعتها باتت اطول من حبال الصابرين.

***
“الدولة الاسلامية” لم تصدر بيانا تدين فيه اعمال الاعدام هذه، ولم يفعل تنظيم “القاعدة” الشيء نفسه، ولكن ما نشرته مجلة “النبأ” التابعة للتنظيم الاول في عددها الاخير (قبل ثلاثة ايام) من تهديدات بالانتقام للشباب المعدومين يوحي بالكثير، ويشكل فألا سيئا للسلطات السعودية.
في المقال توعد تنظيم “الدولة” بتدمير سجني “الحائر” في الرياض، و”الطرفية” في القصيم، حيث يوجد آلاف المعتقلين السياسيين بقضايا الارهاب، وبعضهم صدرت بحقه احكام بالاعدام، واخراج هؤلاء المعتقلين بالقوة، ووصف المعدومين، حسب ما جاء في تقرير “سايت” الامريكي المتخصص في رصد الجماعات الجهادية، بأنهم من خيرة الموحدين والمجاهدين في سبيل الله.
مثل هذه التهديدات يجب ان تؤخذ بدرجة عالية من الجدية، لان تنظيم “الدولة الاسلامية” اقتحم سجن تدمر السوري الرهيب، وحرر جميع المعتقلين فيه قبل بضعة اشهر، وفعل الشيء نفسه في سجون الرقة والموصل والرمادي وتكريت، كما ان تنظيم “القاعدة” اقتحم بدوره سجن صنعاء المركزي، وبعدها سجن المكلا، وافرج عن جميع انصاره المعتقلين فيهما.
وربما يجادل البعض بأن السجون السعودية اكثر تحصينا، والوصول اليها عملية صعبة، وهذا صحيح، ولكن كل السجون العربية محصنة، والسورية والعراقية من بينهما على وجه الخصوص، بالنظر الى طبيعة النظامين الامنية، والسوري تحديدا.
اعدام 43 متهما بالارهاب من “الجهاديين” ابناء الطائفة السنية كان مقصودا، ليس فقط لنفي الصفة الطائفية على وجبة الاعدام الجماعية هذه، ووجود الشيخ النمر على رأس قائمتها، وانما ايضا لتحذير الشباب السعودي، والتلويح بسيوف الاعدام وحبال مشانقه، في حال اقدموا على اعمال عنف في الداخل، احتجاجا على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة، ونزيف الحرب اليمنية المادي والبشري والامني، ولا نتردد في القول لحظة بأن ايران وحلفاءها اخطأت في حصر احتجاجاتها في اعدام الشيخ النمر وحده، واستثنت الآخرين، لان عملية الاعدام في حد ذاتها مشكوك في شرعيتها.
فعندما تشير استطلاعات رأي غير رسمية الى ان اكثر من تسعين في المئة من الشباب السعودي يتعاطفون، او يناصرون “الدولة الاسلامية” التي تتبنى المذهب الوهابي كعقيدة وايديولوجيا، وعندما تتعهد السلطات السعودية بإجراء استفتاء رسمي يكذب هذا الاستنتاج، ولم تنفذ تعهدها حتى هذه اللحظة، وعندما تؤكد اربعة استطلاعات رأي (ثلاثة منها امريكية واوروبية ورابع عربي) ان هناك ما يقرب من 50 مليون عربي، في ثماني دول فقط، اما من المتعاطفين او المؤيدين لهذه “الدولة”، فإن هذا يوحي بأن المنطقة امام خطر ارهابي حقيقي ربما يستمر لعقود، ويأخذ اشكالا وتنظيمات متعددة وفي اكثر من دولة في الوقت نفسه.

***
الرئيس الامريكي باراك اوباما رش المزيد من الملح، وربما الشطة، على الجرح السعودي الغائر الذي سببه الاتفاق النووي الايراني مع الدول الست العظمى، ووصف بانه طعنة مسمومة في ظهر الاسرة الحاكمة التي فوجئت به، عندما قال، اي اوباما، في مقابلة مع الصحافي الامريكي توماس فريدمان، ان الخطر الحقيقي على الحكومة السعودية هو من الداخل، والشباب المحبط على وجه الخصوص، الذي لا يجد بديلا افضل يبعده عن “الدولة الاسلامية”.
من المفارقة ان توماس فريدمان الذي اتهم المملكة العربية السعودية بانها اداة التفريخ الرئيسية للارهاب الجهادي الاسلامي، وذكّر بأن 15 من 19 عنصرا من منفذي هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) يحملون جنسيتها، من المفارقة انه حل ضيفا عزيزا مكرما على الحكومة السعودية، والقى محاضرة في قلب مدينة الرياض جذبت عددا كبيرا من الامراء والسياسيين والاكاديميين والاعلاميين قبل شهر.
الحكومة السعودية تعيش حالة من القلق، ليس بسبب حروبها النازفة في اليمن وسورية، وانما خوفا على ضياع رأسمالها الابرز الذي طالما تباهت به، ونبهت مواطنيها الى نعمته، وهو الاستقرار الداخلي الذي يميزها عن محيطها العربي الملتهب.
ولعل دفن الشيخ النمر في مكان مجهول على الطريقة الامريكية في دفن الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم “القاعدة” في البحر، والعقيد معمر القذافي في فيافي الصحراء الليبية لاحقا، مع الفارق في المقارنة، يعكس احد مظاهر هذا القلق، فالحكومة السعودية مثل نظيرتها الامريكية لا تريد ان يتحول قبر الشيخ النمر الى رمز، او مزار لانصاره ومذهبه، فخطره في مماته ربما يكون اكبر منه في حياته.
اغلاق السفارات، او اقتحامها، وسحب السفراء او تخفيض التمثيل الدبلوماسي، او حتى قطع العلاقات التجارية، كلها اجراءات احتجاجية انتقامية مهمة، ولكننا ربما سنكون احد المتفاجئين اذا وقفت الامور عند هذا الحد.