محادثات فيينا الموسعة والرباعية “انهارت” بسبب “عقدة الاسد”.. وجمع ظريف والجبير على مائدة واحدة هو “الانجاز″ اليتيم الوحيد.. فما هو مصير هذه العملية السياسية؟ وما هي الخطوة الامريكية الروسية المقبلة؟

عبد الباري عطوان

لم يفاجئنا الدكتور ابراهيم الجعفري، وزير خارجية العراق، عندما اعلن ان اجتماعي فيينا، الرباعي والموسع، فشلا في التوصل الى اتفاق على دور الرئيس السوري بشار الاسد في اي عملية سياسية مقترحة للخروج من الازمة السورية، لسبب بسيط، يتلخص في ان هناك من يريد هذا الدور، بينما هناك من يعارضه ويرفضه، ولا توجد حلول وسط، او بالاحرى، لم يتم التوصل اليها، لان كل طرف يرفض التزحزح عن موقفه، وتقديم تنازلات، يمكن ان تصب في مصلحة “انتصار” خصومه.

اجتماعات فيينا كانت، وربما ستظل عقيمة، والنجاح الوحيد الذي حققته حتى الآن هو الجمع بين العدوين اللدودين، ايران والسعودية، على مائدة واحدة، ولكن دون مصافحات او ابتسامات او حتى تلاقي الاعين، لكنه اللقاء الاول على اي حال، والهدف منه كسر الجليد، ومن غير المستبعد ان يكون اللقاء الثاني اة الثالث مختلفا.

مشاركة ايران، في جميع الاحوال، كان العنصر الجديد الابرز، والاكثر اهمية، لسبب بسيط، وهو ان المملكة العربية السعودية، مدعومة من امريكا، كانت تضع “فيتو” على هذه المشاركة، ونجحت في تعطيلها من مؤتمري جنيف الاول والثاني، ولكن يبدو ان هذا “الفيتو” تحطم في اجتماعات فيينا “البديلة” هذه، والفضل في ذلك يعود الى انحسار القوة السعودية نتيجة الانكماش المالي، والانخراط في حرب عقيمة في اليمن، وتصاعد القوة الايرانية بعد الاتفاق النووي، والتدخل العسكري الروسي في الازمة السورية.

***

الروس والايرانيون من الصعب عليهم ان يتخلوا عن الرئيس السوري بشار الاسد، وفقا للشروط، والمطالب السعودية والفرنسية والامريكية بدرجة اقل، لانهما باتا قوتين حقيقيتين مقاتلتين على الارض السورية، ولم تعودا تخوضان حربا بالانابة من خلال حلفائهما مثل “حزب الله” مثلا، ولذلك من المتوقع ان يستمرا في “سياسة” المناورة، وكسب الوقت، ريثما يتعب الطرف الآخر، او يتنازل عن شروطه وصقوريته، ويقدم تنازلات مقبولة تماما، مثلما حصل اثناء مفاوضات النووي التي استغرقت سبع سنوات، او اكثر، والايرانيون ابدوا خبرة كبيرة في هذا الصدد.

اجتماع فيينا الموسع الذي بات، نسخة او اخرى، من اجتماعات منظومة “اصدقاء سورية”، مع اضافة “صديقين حقيقيين” الى عضويتها (ايران وروسيا)، سينعقد يوم الجمعة المقبل، على مستوى وزراء الخارجية، وربما الجمعة ما بعد المقبلة ايضا، الى ان ينخفض مستوى التمثيل، ويتبخر الاهتمام الاعلامي تدريجيا، ومن بعده، الاهتمام السياسي، وتختفي المنظومة الجديدة كليا، على غرار جميع المنظومات الاخرى، والقائمة طويلة.

ايران، وعلى لسان وزير خارجيتها، قالت انها لا تتمسك بالرئيس السوري بشار الاسد الى الابد، وهذا كلام صحيح، ولكن من الذي يحدد هذا “الابد”، واين سيتوقف، هل بعد عام، او خمسة، او عشرة، او عندما يبلغ عمر الرئيس الاسد مئة عام مثلا؟

تغييب ممثلين عن النظام السوري والمعارضة معا يعكس عدم الجدية في هذه الاجتماعات اولا، ومحاولة لتهميشهما والتحدث باسمهما ثانيا من قبل آخرين، وهذا تراجع اساسي عن ابرز انجازات مؤتمري جنيف، المبررات قطعا كثيرة، ولكن من الصعب تصديق اي منها، ولو كانت هناك نية للتوصل الى اتفاق هذه الجمعة او الجمعة المقبلة، لوجدنا ممثلين عن الجانبين اللذين من المفترض ان يشتركا في تشكيل حكومة المرحلة الانتقالية في هذه الاجتماعات، او هكذا يقول المنطق.

***

قوى عظمى “تتناطح” الآن على الارض السورية، وتقف قوى اقليمية في خندق هذا المعسكر او ذاك، وقد يستمر هذا التناطح حتى تنهار احداهما، وترفع الراية البيضاء استسلاما، مثلما حدث في فيتنام، وكوبا، وافغانستان، والحرب الباردة، والصدامات ما زالت في بداياتها، او هكذا نعتقد، فالتواجد العسكري الروسي على الارض السورية يتصاعد ويتكرس، وقرار الرئيس باراك اوباما بارسال خمسين “مستشارا عسكريا” من القوات الخاصة الى سورية هو بداية الانزلاق بريا في هذه الرمال الملتهبة المتحركة.

هل سنرى سورية شمالية، واخرى جنوبية (كوريا وفيتنام)، ام سورية شرقية واخرى غربية (برلين)؟ فغالبا ما ينتهي التصادم الامريكي الروسي الى هذه النتيجة.

لا نملك الاجابة، ونتمنى ان لا يحدث مثل هذا التقسيم، وان حدث، ان لا يتكرس او يتجذر، فهناك اتفاق على الحفاظ على وحدة سورية واراضيها، يردده الروس والامريكان معا، ومن يلف لفهم، ونأمل ان يكون هذا التعهد جديا، وان كان لدينا الكثير من الشكوك في هذا المضمار، فنحن في زمن التفتيت والتقسيم، وليس في زمن التوحيد للأسف.