لماذا يُغّيب “المعلم” عن اجتماعات فيينا الموسعة الجمعة التي تبحث حلا سياسيا لازمة بلاده؟ وماذا “يطبخ” الامريكان والروس في لجنتهم الرباعية؟ وهل نضجت الطبخة؟ وكيف كان وقع مشاركة ايران على السعودية؟

عبد الباري عطوان

هذه “الزحمة” في الاجتماعات للدول العظمى، والمتوسطة، والصغرى، التي تعقد هذه الايام لبحث الازمة السورية، لا بد انها تتمحور حول “طبخة ما” لا نعرف عناصرها، ولا صورتها النهائية بعد نضجها.. فليس امامنا الا احد خيارين اما النضوج او الاحتراق، فالطباخون كثر، والمدعوون الشهود كثر ايضا، باستثناء صاحب الشأن، اي وزير الخارجية السوري وليد المعلم، الذي من المفترض ان يكون اول من يتذوقها ويحكم عليها.

مساء امس شهدت باريس عشاء عمل شارك فيه اربع وزراء خارجية عرب، (السعودي والاماراتي والاردني والقطري) بدعوة من وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، في مظاهرة احتجاج على استبعاد معظمهم من مداولات اللجنة الرباعية بزعامة روسيا وامريكا، الى جانب تركيا والسعودية، والخميس تعقد اللجنة الرباعية نفسها اجتماعا ثانيا في العاصمة النمساوية، تمهيدا لعقد اجتماع موسع الجمعة بمشاركة كل من فرنسا وايطاليا وبريطانيا والمانيا، الى جانب ايران ومصر والعراق والامارات ولبنان.

***

مشاركة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف هي الحدث الابرز في الاجتماع الموسع الجمعة، لان استبعاد ايران من اللقاءات السابقة بضغط سعودي وموافقة امريكية كان غير منطقي في نظر الكثيرين، لانها لاعب رئيسي في الازمة السورية، فأموالها واسلحتها، وقواتها هي التي ساهمت بدور كبير في صمود الجيش السوري خمس سنوات في حرب استنزافية “عظمى”، وعززت من فرص بقاء النظام، واحباط كل الجهود العربية والغربية معا، للاطاحة به في تكرار للسيناريوهات الليبية والعراقية وبدرجة اقل المصرية.

توني بلينكن نائب وزير الخارجية الامريكي اعترف للمرة الاولى في حديث مع محطة “فرانس 24″ الاربعاء انه “من الصعب تخيل امكانية الوصول الى حل في سورية دون مشاركة ايران”، وهذا اعتراف مهم، وان جاء متأخرا اربع سنوات على الاقل.

وجود الايرانيين على مائدة اجتماعات فيينا الموسعة سيصيب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بعسر الهضم، وهو الذي كرر تصريحاته بضرورة رحيل الرئيس السوري سلما او حربا، وذهب الى ما هو ابعد من ذلك، عندما تصرف كممثل لدولة عظمى، تملك اسلحة نووية وبرنامج فضائي، وقال “دعوة ايران للمشاركة يهدف الى توحيد المواقف، للتعرف على مدى جدية طهران، واختبار نوايا روسيا وايران فيما يتعلق بسورية”، وختم تصريحاته بلهجة تهديدية بتأكيده “اذا فشل اجتماع فيينا في الوصول الى اتفاق سوف نلجأ الى خيارات اخرى”.

لا نعرف ما هي الخيارات الاخرى، فهل سنرى “عاصفة حزم” ثانية في سورية، وقبل ان تحقق الاولى ايا من اهدافها؟ ومن هي الدول التي ستشارك فيها هذه المرة؟ وهل ستخترق السعودية الخطوط الروسية الحمراء وتزود المعارضة السورية المسلحة بصواريخ مضادة للطيران، على غرار تزويدها لها بخمسمائة صاروخ مضادة للدروع من نوع “تاو”؟ وماذا لو اسقطت هذه الصواريخ طائرة روسية؟ او وقعت بالخطأ، او بالعمد، في ايدي “الدولة الاسلامية”، واستخدمت في اسقاط طائرات امريكية او حتى سعودية؟

المتحدث باسم الخارجية المصرية احمد ابو زيد، الذي اكد مشاركة الوزير سامح شكري في الاجتماع الموسع الجمعة، قال عبارة في بيانه الرسمي يؤكد ما ذكرناه سابقا عن وجود “طبخة ما” عندما المح الى “ان الاجتماع يكتسب اهمية خاصة لانه سيبحث افكارا محددة لتفعيل العملية السياسية في سورية”.

ترى ما هي الافكار المحددة هذه، وهل تتعلق برسم صورة ووضع اسس المرحلة الانتقالية، وتحدد صلاحيات الحكومة المشتركة التي ستقودها ومدتها الزمنية، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المفترضة التي ستتلوها؟

السؤال الاهم في رأينا هو عن “مصير” الرئيس السوري بشار الاسد، ودوره في مرحلة ما بعد المرحلة الانتقالية، او بالاحرى هل سيكون له دور، ام ان نهاية المرحلة الانتقالية، ستكون نهايته ايضا؟

لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي الذي دعا الى عشاء “المهمشين” مساء الثلاثاء، لم يكن بعيدا عن موقف السيد الجبير، وقال بالحرف الواحد “ان فرنسا وحلفاؤها الغربيين والعرب يريدون جدولا زمنيا محددا لرحيل الاسد في اجتماعات فيينا”، ولكن ما يريده هؤلاء الحلفاء شيء، وما تريده روسيا وايران، ربما يكون شيئا آخر، و”عقدة الاسد” هذه هي التي ستقرر مصير كل هذه الاجتماعات المتلاحقة في فيينا التي حلت محل جنيف، وربما يفيد التذكير ان فرنسا كانت الاكثر صقورية في معارضة الاتفاق النووي الايراني، واستثمرت هذا الموقف في بيع صفقات اسلحة بالمليارات للعرب، وعندما جرى التوصل للاتفاق تبخرت صقوريتها، وكان وزير خارجيتها اول من زار طهران.

***

في مؤتمر جنيف الثاني جرى توجيه الدعوة الى وزير الخارجية السوري للحضور، وكذلك الى العديد من وزراء الخارجية العرب والاجانب، بمن في ذلك بان كي مون، امين عام الامم المتحدة، فلماذا جرى استبعاده من هذه الاجتماعات التي من المفترض ان تقرر “نظريا” مصير بلاده ونظامه؟

لا نملك تفسيرا لهذا الغياب او “التغييب”، ولكنه امر مقلق بالنسبة الى السيد المعلم ورئيسه بشار الاسد، او هكذا نعتقد، اللهم الا اذا وصلتهم تطمينات معينة من الجانب الروسي تبدد مثل هذا القلق المفترض.

كنت قبل ايام في وندهوك، عاصمة ناميبيا، للحديث في ندوة مغلقة دعا اليها الاتحاد الافريقي، واقتصرت على رؤوساء ووزراء وخبراء عن “الدولة الاسلامية”، وكان من ضمن المشاركين السيد الاخضر الابراهيمي، المبعوث الاممي السابق في سورية، فسألته على مائدة عشاء جمعتنا سويا مع اثنين من المشاركين عما اذا كانت روسيا يمكن ان تتخلى عن الرئيس الاسد؟

ابتسم الابراهيمي، وقال ما معناه، لو كانت تريد التخلي عنه لما استمرت الازمة كل هذه السنوات، وما زالت، وكما ترى انا بعيد حاليا عن متابعة آخر التطورات، وآخرها طبيعة زيارة الرئيس الاسد الاخيرة لموسكو.

سننتظر الى الجمعة لنعرف التفاصيل، او ما سيتسرب منها، ولا نملك كالعادة اي خيار آخر غيره، اي الانتظار.